متى يسترد الشعب دولته ؟ … بقلم: حليم عباس
متى يسترد الشعب دولته ؟ … بقلم: حليم عباس
القيادي بقوى الاجماع الوطني، أحد مكونات الحرية و التغيير، “محمد عمصت” في برنامج تلفزيوني بقناة ام درمان الفضائية، قال ان استقالته من لجنة الترشيحات الخاصة بقوى الاجماع الوطني، جاءت بسبب خلاف حول المنهج المتبع في تسكين قيادات الخدمة المدنية. و ذكر أن السبب الاساسي للاستقالة هو أنه كموظف خدمة مدنية لا يرضى أن يرتبط تاريخه بالمنهج المتبع حاليا في تسكين قيادات الخدمة المدنية.
محمد عصمت أوضح أن الاستقالة تم تقديمها في 18 نوفمبر الماضي، أي قبل أكثر من ثلاثة أسابيع من تسرب الخبر. و ذكر أن القضية تعود الى بداية اكتوبر الماضي، حينما تقدمت لجنة قوى الاجماع بمقترح مفاده أن تسكين قيادات الخدمة المدنية أمر مختلف عن ترشيحات المقاعد السيادية و الوزارية و الولائية و غيرها، وأن الخدمة المدنية لها أسس و تقاليد و أعراف، و لذلك لابد من تشكيل لجنة ذات صبغة فنية، تضع المعايير التي يتم وفقا لها اختيار شاغلي هذه المناصب. و لكن تنسيقية قوى الحرية و التغيير تجاهلت المقترح بكل بساطة، ما دفع السيد محمد عصمت الى الاستقالة في نهاية المطاف.
الغريب في الأمر أن مقترح قوى الاجماع حسب محمد عصمت كان يرى بأنه لا بأس أن تسمي كتل قوى الحرية و التغيير كوادر من بين عضويتها ممن لهم معرفة و خبرة بالخدمة المدنية لكي يتم اختيارهم عبر اللجنة الفنية وفقا للمعايير التي تضعها هذه اللجنة.
هذا المقترح الذي هو بحد ذاته مشكلة، حيث يسمح بأن تكون الترشيحات من عضوية الحرية و التغيير، على الرغم من بؤسه إلا أن تنسيقية الحرية و التغيير قد تجاهلته.
محمد صمت الذي يبدو بأنه منهجي و أخلاقي و وطني، رفض في رده على سؤال المذيعة حول لماذا لا يتم طرح هذه الوظائف( وظائف الخدمة المدنية) العامة لأبناء الشعب السوداني لتتنافس عليها الكفاءات و الخبرات، رد بأنهم يريدون الأكفأ و لكن هذا الأكفأ يجب أن يكون ملتزما بقيم الثورة و مبادئها، ويجب أن يكون ملتزما ببرنامج إعلان الحرية و التغيير. و قال بأنهم لا يمكن أن يأتوا بشخص مائي، شخص بلا لون و لا طعم و لا رائحة فقط لأنه يتمتع بكفاءة، لكي ينفذ برنامج هو غير ملتزم به، و ما عنده أي نوع من أنواع الالتزام تجاه البرنامج أو حتى الحنان نفسه (هكذا قال. الحنان ! لا أعرف كيف يكون الحنان تجاه برنامج ما). قال أنا مع الكفاءة، و الكفاءة موجودة داخل مكونات الحرية و التغيير، قال نريد شخص ملتزم بالبرنامج، و انهم لا يُمكن أن يأتوا بشخص فقط لأنه يملك كفاءة أو مؤهلات أكاديمية.
و في رده على سؤال المذيعة ما اعتراضك اذن ؟ قال ان اعتراضه منصب على كيفية اختيار الناس بعدالة، و اختيار الناس وفق الكفاءة، وأول هذه المعايير هو الالتزام ببرنامج الحرية و التعيير.
إذا كان هذا هو مستوى شخص قال انه استقال نسبة لعدم وجود منهجية للاختيار لوظائف خدمة مدنية، و اذا كان هو مستوى الذين يتكلمون عن معايير و أسس و أعراف الخدمة المدنية، فهذه مصيبة و كارثة. إذ كيف سيكون الآخرين الذين ينتقدهم السيد محمد عصمت؟
هذه فضيحة لهذه القوى، و لكنها مصيبة و كارثة بالنسبة للخدمة المدنية و للدولة و البلاد.
إن الخدمة المدنية هي مؤسسة غير سياسية، هذا بديهي، و من المفترض أن يتم الاختيار لها وفقا لأُسس و معايير فنية بحتة، لا علاقة لها من قريب و لا من بعيد بالموقف السياسي.
ثم اذا افترضنا أن هناك شخص كفء و مؤهل، و لكنه ليس عضوا في أي كتلة من كتل الحرية و التغيير، أو لنقل أن له موقف غير مؤيد لهذه القوى و مختلف معها سياسيا. فهل هذا الشخص ضد الثورة و مبادئها، و ضد التغيير و يجب إبعاده ؟ هل الثورة هي إعلان الحرية و التغيير ؟
ثم ما هو هذا البرنامج الذي يتكلمون عنه و كيف يكون المرء مختلفا أو متفقا معه ؟ بمعنى ما هو المعيار أو الإجراء الذي يتحدد بموجبه ما إذا كان هذا المواطن أو ذاك ملتزم أو غير ملتزم ببرنامج الحرية و التغيير ؟ أين هو هذا البرنامج أساسا ؟ هل هو تلك الورقة التي لا تتعدى صفحتين المسماة بإعلان الحرية و التغيير ؟ أم ماذا ؟
و اذا ذهبنا مع قوى الحرية و التغيير في هذا الاتجاه و قلنا أن الايمان ببرنامج الحرية و التغيير هو المعيار الأول للاختيار في الوظائف القيادية للخدمة المدنية، فكيف يُمكن تحديد ذلك ؟ هل بالانتماء الى أحد مكونات الحرية و التغيير ؟ أم بإعلان هذا الموقف عبر الإعلام و الوسائط مثلا ؟
أو هل على الأقل طرحوا الوظائف على الشعب، ثم سألوا المتقدمين عما إذا كانوا مؤيدين لبرنامج الحرية و التغيير و ملتزمين، أم انهم يملكون بعض “الحنان” تجاه هذا البرنامج، و ما مقدار هذا الحنان ؟
ما كل هذه الفوضى و هذا العبث ؟ لماذا يجب أن أكون من ضمن عضوية الحرية و التغيير لكي يتم تعييني في هذه المؤسسة أو تلك من مؤسسات الخدمة المدنية ؟ ما علاقة الخدمة المدنية أصلا ببرنامج الحرية و التغيير أو غيره.
دعك من المؤتمر الوطني و الإسلاميين، و دعك من الخصوم السياسيين لقوى الحرية و التغيير؛ هل المواطن السوداني العادي مستبعد من الاختيار للوظائف لمجرد أنه لا ينتمي لهذه “الشلليات” ؟ أم أنكم تملكون معلومات كل الشعب و تعرفون من هو الأصلح و من هو الأكفأ و من هو الملتزم ببرنامجكم ؟ هل أجريتم مسح على كل الشعب السوداني مثلا ؟
هذا المعيار الفضيحة و البائس، رغم كل بؤسه لم يلتزموا به هو أيضا، و راحوا يتقاسمون الوظائف على ما يبدو بدون أي أُسس أو معايير.
بالنسبة لي، أنا أعتبر أن هذه القوى غير مؤهلة فنيا لإدارة دولة، و غير مؤتمنة أخلاقيا عليها. و لا يُمكنها أن تصحح نفسها، ففاقد الشيء لا يعطيه. و كذلك من الواضح أن النصائح و المناشدات لا تجدي معها شيئا، خصوصا مع فقدان الرؤية و المنهجية للعمل، هذا امر لا تجدي معه نصائح و مناشدات.
و للثوار و النشطاء أقول، لن تستطيعوا وقف هذا التدهور في ظل هيمنة هذه المجموعات على السلطة و على الدولة باسم الثورة. و ستستمر في ممارساتها بكل عبثيتها الى النهاية.
إن المخرج الوحيد من هذا الوضع هو عودة السلطة الى الشعب السوداني، عبر انتخابات يختار فيها ممثليه بكل حرية. الذي يحدث الآن هو أن هذه الدولة تُدار في الظلام من قبل قوى غير مؤهلة و غير مؤتمنة. و للأسف لا يبدو أن السيد رئيس الوزراء و أعضاء حكومته يملكون من أمرهم شيئا، فهم أيضا قد تم تعيينهم بواسطة هذه القوى الفوضوية نفسها. عبدالله حمدوك لا يستطيع و لا يُمكنه وقف تغول الحرية و التغيير على الدولة، يجب أن تواجهوا هذه الحقيقة.
![]()