ثورة نورانية لا نيرانية .. رأي شخصي … بقلم: سعد محمد عبدالله
هنالك ثورات “نورانية” مرت علي التاريخ، ونادت بالتغيير والتحرر، ولكن لم تنجح في الوصول لكل غاياتها المنشودة، ويرجع ذلك لأسباب متعلقة بدرجة الوعي الجماهيري والتخطيط الإستراتيجي والتهاون في التعاطي مع المتغيرات التي تحدث من حين لآخر داخل الحقل الثوري والفضاء السياسي والعسكري مع عوامل آخرى داخلية وخارجية ترجح نقاط ضعف الثورة علي عناصر قوتها وتصنع الفارق الذي يستفيد منه الدكتاتوريين في الثورة المضادة والمعادية لتطلعات الجماهير، لذلك تحتاج الثورة لحماية الجمهور وقيادة مستنيرة فاعلة، فالأخطاء التي نقع فيها لغياب دور المثقف الثوري الواعي تضخم الثورة “النيرانية” التي تتصف بالظلم السياسي والتسلط السلطوي والظلام الفكري الإنكفائي ويؤدي ذلك لتلاشي حقوق وحريات الإنسان وشيوع الأفعال والممارسات المضادة لمفهوم الثورة “النورانية” التي ترفع شعارات الحرية والسلام والعدالة والحكم الديمقراطي ونهضة الإقتصاد وبناء مجتمع إنساني تعاوني يؤمن بقيم حقوق الإنسان والتسامح لترسيخ العيش المشترك بين كافة مكونات الدولة وصولا لأسمى غايات السلام والعدل في موطن المواطنة بلا فرز ولا تمييز.
هنالك بعض الإستفهامات حول معادلة الثورة النورانية والنيرانية المضادة للثورة الحرة ، والإشارة إليها لتجنب الأخطاء التي وقعت في ثورة اكتوبر وثورة ابريل وهما من أهم ثورات السودان ضد الحكومات الدكتاتورية، والنقص فيهما كان بسبب عدم تحقق السلام والعدالة الإجتماعية، وحتى لا نعود لنقطة الصفر بعد العبور الثوري التاريخي الذي سجله شعبنا العظيم بالدماء والدموع والصمود في كافة الساحات بثورة ديسمبر المجيدة يجب النظر بموضوعي في الآتي؟.
أولا. هناك تراشق إعلامي ناتج عن إستقطاب سياسي، ويكمن في مصالح مكونات العملية السياسية السودانية ما أنتج تضارب الخطاب فيما يخص القضايا المصيرية المهمة كالسلام والديمقراطية وحقوق المجتمعات المهمشة وطرائق إستكمال تشكيل مجالس السلطة الإنتقالية وهيكلة مؤسسات الدولة.
ثانيا. بروز الإستقطاب الإيدلوجي الحاد والذي يتمظهر في الصراع الآفروعربي والإسلاموعسكري ونزاع القبائل المبطن بخلفيات سياسية ومطالب العلمانية والشيوعية واللبرالية والبعثية والناصرية إضافة لدعاوي الإنفصال والتقهقر المناطقي وغير ذلك من دعاوي إطفاء اللون الإيدلوجي علي الثورة دون الوصول لحد أدنى من التوافق علي مشروع وبرنامج وطني جديد للحكم خاصة في الفترة الإنتقالية تمهيدا لما بعدها بالحوار البناء وهذه نقاط الضعف التي تعيق تحول السودان من الدكتاتورية إلي الديمقراطية.
ثالثا. أزمة الثقة المتجزرة بين المدنيين والعسكريين في السلطة وبينهم والشعب وحركات المقاومة الثورية من جهة آخرى وهو الأمر الذي ساهم في إجهاض إتفاقية أديس أبابا للسلام وفشل إصلاح الأخطاء في القاهرة وتضارب تصريح المكونات السياسية والعسكرية بشأن تصفية الإنقاذيين وتسليم رموز الفساد والإستبداد للمحكمة الجنائية الدولية لرد حقوق ملايين المتضررين في مناطق الحرب، ويترجم ذلك بشكل واضح مدى تباين وجهات النظر بين مكونات الدولة الجديدة ما سيضعف القرار العام.
رابعا. تنامي الخطاب الإنفصالي والمطالبة بتقرير المصير مقابل خطاب السودان الجديد الديمقراطي الموحد الذي ينادي بالحكم الذاتي والتمييز الإيجابي لسكان مناطق التهميش بدلا عن الإنفصال والتمييز السلبي العنصري، وهذا الموضوع أيضا يتعلق بالصراع المفاهيمي الدائر داخل المكونات الحاكمة والمعارضة، كما يبرز المطامع السياسية المقرونة بالنزعة الإيدلوجية في ظل أسئلة كبرى حول مستقبل السودان كدولة موحدة ذات سيادة ورائدة ديمقراطيات وإقتصاديات العالم تستمد قوتها من البنيان الإجتماعي الزاخر بتنوع تاريخي ومعاصر وإرث ثقافي لا مثيل له فقط يحتاج لإدارة تضعه في مساره الصحيح ليكون أساس بناء الدولة لا سبب هدمها.
خامسا. هنالك ثقوب في بنيان المؤسسات الوطنية خاصة العسكرية منها وتحتاج لترميم يؤدي لقيام دولة جديدة ومؤسسات مهنية ومحايدة تمثل الجميع وتنهي ظاهرة تعدد الجيوش والوظائف الزائفة والفساد المستشري، وتصفية الدولة العميقة وكسر شوكة الثورة المضادة “النيرانية” تحتاج لثورة “نورانية” تحول طاقات المثقفيين الثوريين لتحمل مسؤلية تنوير الجماهير بالحقوق السياسية والمدنية والمساهمة الإيجابية في التغيير والتعميير للتعبيير عن روح الثورة في إعادة تنظيم دواليب الدولة طبقا لعملية تشاركية شاملة ومتكاملة لا تقصي أحد.
سادسا. نحتاج لإلغاء الوصاية الحزبية والعسكرية المؤدلجة علي أجهزة الدولة المدنية وتحرير الدولة لتكون كيان جامع للمجتمع ووضع الأحزاب والأجهزة العسكرية وغيرها في خدمة المصالح العليا للوطن وإخراجها من جلبابها القديم الذي لبسته طوال سنوات الحكم الإنقاذي كي لا نكرر تجارب اكتوبر وابريل حيث طغى الصراع السياسي والإيدلوجي علي المؤسسات الرسمية وأخرجها من الحياد تجاه مكونات الشعب السوداني وخلق ذلك نزاعات متعددة ومتواصلة لم تنتهي بعد.
سابعا. التخلص من ظاهرة العنصرية تتطلب أولا إيجاد دولة مؤسسات وتهيئة مناخ العيش المشترك وأساسه السلام الذي يمثل “كرت الضمان” لإستمرار الحكم الديمقراطي المدني، فتكاليف تلك الحرب التي إستمرت لسنوات كانت فصل الجنوب وقتل وتشريد الملايين وتدهور الإقتصاد وتشرزم المجتمع ولا يجوز العودة للحرب مرة آخرى بأي حال من الأحوال.
ثامنا. نحتاج لعقد مؤتمرات السلام والتعايش السلمي وإنعاش الإقتصاد الوطني والمؤتمر القومي الدستوري يمثل العمود الأساسي لكل خطوات التغيير والتحول الديمقراطي وبناء دولة المواطنة المتساوية والنموا المتوازن والمستدام للإقتصاد والديمقراطيات في السودان الجديد.
تاسعا. هنالك ضرورة ملحة لإيجاد حلول شاملة لمشكلات النزاع القبلي وتوفير مقومات الحياة لسكان المدن والكنابي وتبني مشاريع تطوير الريف وتأمين مسارات الرحل وضمان حقوقهم القانونية ومعالجة العلاقة بين المزارع والراعي وكلاهما والدولة.
عاشرا. قضايا البيئة والتغير المناخي لا تنفصل عن حركة الوجود وعلاقة الإنسان بالطبيعة المحيطة به، ويمكن أن يتسفيد الإنسان من الطبيعة دون أن يحدث أضرارا تؤثر علي حياته غدا، ونحتاج لبناء مفهوم جديد لإدارة الحياة والشأن الكوني والكائناتي، والحروب تؤثر سلبا علي البيئة والكائنات الحية ككل، والسودان دولة ذات تنوع مناخي وكائناتي وتمتلك ثروات ضخمة من الماء والحيونات والطيور والغابات زائد الأرض الخصبة ومناطق السياحة وغير ذلك من الموارد، ولا يمكن أن تستخدم لخدمة تطور البلاد إلا في وجود دولة مستقرة قادرة علي التعامل مع الإنسان والطبيعة معا.
إن المستقبل الزاهي الذي ننشده يتوقف علي تفاعل وتكامل المجتمع والتنظيمات السياسية والمنظمات المدنية والمجموعات الشبابية والطلابية والنسوية وكافة الكيانات الشعبية والحكومة في عملية تكاملية للتغيير والتحرر والتعميير من خلال “الثورة النورانية” التي تهدف لتحقيق الحرية الكاملة والسلام الشامل والعدالة الناجزة وإستقرار البلاد والتنمية العادلة والمستدامة في الريف والمدينة، وحلم المستقبل سيكون واقعا ملموسا إذا تم إيقاف عجلة “الثورة النيرانية” المضادة لحلم التغيير والتحرر والتطور في المجالات الإقتصادية والسياسية والسياحية والرياضية ومساعي مواكبة العلوم والمعارف الكونية التي تجعل الدولة تتقدم بشكل ممتاز، لذلك نحتاج لتحديث الحراك الثوري بتبني المثقف الثوري والسياسي المستنيير خطاب جديد يتناغم مع التحولات في الساحة السودانية بحيث يستطيع إنتاج رؤى جديدة لحكم البلاد وإدارة التنوع الإجتماعي والموارد الطبيعية وتباين الأفكار فيما بعد الفترة الإنتقالية.