البشير والتنحي بالتقسيط المريح للكرامة  … بقلم: د. حيدر إبراهيم

البشير والتنحي بالتقسيط المريح للكرامة  … بقلم: د. حيدر إبراهيم

في العام 1988 حين قرر الخميني وقف الحرب مع العراق بلا هزيمة أو انتصار قال أنه يتجرع السم، والآن لم يجد البشير الشجاعة لتجرع السم مثل الخميني والإقرار ضمنا وليس علنا بالهزيمة، وبطريقته المراوغة يستجيب لمطالب الشعب، ولكن ليس تحت شعار تسقط بس بل يريد السقوط بتوابل وديكورات.
شرع منذ فترة في التراجع والتنازل غير المنتظم رغم الخبرة العسكرية في الانسحاب المنظم!
ففي البداية ظن الأمر أزمة إقتصادية فقام “بربربة” الأوراق النقدية ثم تبين له أن الأزمة سياسية واجتماعية فالغى قانون النظام العام مع أنه من ثوابت المشروع الحضاري وإعادة صياغة الإنسان السوداني وحماية الفضيلة والأخلاق حسب ادعائهم! فقد اختزلوا الأخلاق والفضيلة في عدد من سنتمترات فساتين الفتيات وليس في نظافة اليد من نهب المال العام ونظافة اللسان.
في خضم الارتباك والاضطراب قام البشير “بكشة” حل فيها الحكومات المركزية والولائية وأعلن قانون الطوارئ وعسكر حكام الولايات، وتم نسف مخرجات الحوار بحل الحكومة. ويعتبر هذا شكل للعصيان المدني ساعد فيه البشير.
بلد بلا حكومة ولا يوجد أعمال يمكن أن يصرفها الوزراء السابقون خاصة مع عدم صرف مرتبات الشهر الفائت. وتعطل البرلمان رسميا وهو معطل فعليا، ويحرم من كرنفال إعادة ترشيح البشير بعد أن استعد النواب بالمزامير والدلاليك للمناسبة. وهكذا تنازلت السلطة التشريعية عن دورها رغم ديكورية البرلمان! المهم أن البشير قدم تنازلا كبيرا كان مثار خلافات عميقة، ولكن التنازل لم يجد أي صدى إيجابيا لدى المعارضة، وأخيرا كانت مفاجأة تفويض صلاحياته في المؤتمر الوطني لنائبه. وهذه الخطوة يفترض أن يقوم بها الحزب نفسه وليس رئيس الحزب والجمهورية، ولكن البشير يريد أن ينسب التنازل له شخصيا ويضاف لميزان تراجعاته وتنازلاته في التنحي التدريجي.
يبدو أن الجنرال _ الزمن لايعمل في صالح البشير_ في إنتظار انحسار المظاهرات أو ظهور معارضين يقبلون الحوار، لذلك يحاول أحد المحاور العربية والإقليمية أن يسابق السقوط المدوى وأن يلحق البشير بمصير شاوشيسكو والقذافي، فبدأت خطوات لإحياء خطة الهبوط الناعم ولكن بسرعة لتجنب التغيير الثوري، فهناك حديث هذه الأيام عن البحث عن ملاذ آمن هروبا من ملاحقة المحكمة الجنائية الدولية. ولكن أحكام المحكمة لا يمكن إلغاؤها إلا بقرار جديد من مجلس الأمن وهذه مشكلة عويصة يصعب على الدول التي تساند البشير إنجازها. خطة تصعيد صلاح قوش سيناريو ردئ واستفزازي، فالثوار ليست مشكلتهم شخصية مع البشير ولكنها مبدئية ضد النظام بركيزته الأمنية وهي عدو استراتيجي لأن الأمن الذي هندسه قوش نفسه هو سبب كل هذا الاستبداد والانتهاكات التي عاش عليها نظام البشير.
ويمعن البشير في سوء تقديره لثورة الشباب حين يطلب من الولاة تنشيط مراكز الشباب في الولايات والاهتمام بالرياضة، بينما يهتف الشباب مطالبين بالحرية والكرامة والعدالة. يظن البشير أن مشاكلهم أوقات فراغ ونشاطات ترفيهية.
ولأن الثورة ملأتني بنشوة روحية بأغانيها وقصائدها وزغاريدها رغم إنهاك الجسد، فقد جأء إلى ذكراتي نورا من شعر أحمد فؤاد نجم–الفاجومي وهو يخاطب السادات في ظروف مشابهة لهذه، فقال:
رجعوا التلامذة
يا عم حمزة للجد تاني
يا مصر إنتي اللي باقية
وانتي قطف الأماني
لا كورة نفعت
ولا أونطة
ولا المناقشة وجدل بيزنطة
ولا الصحافة والصحفجية
شاغلين شبابنا
عن القضيـــة
قيمولنا صهبة يا صهبجية
ودوقونا طعم الأغاني
***
طلعوا التلامذة ورد الجناين
اسمع يا ميلص وشوف وعاين.

قام السادات بزج التلاميذ المتظاهرين في سجن القلعة سيء السمعة فكتب الفاجومي:
أنا رحت القلعة وشفت ياسين
حواليه العسكر والزنازين
والشوم والبوم وكلاب الروم
يا خسارة يا أزهار البساتين
عيطي يا بهية على القوانين
أنا شفت شباب الجامعة الزين
أحمد وبهاء والكردي وزين
حارمينهم حتى الشوف بالعين
وف عز الظهر مغميين
عيطي يا بهية على القوانين.

ثم حيا نجم الشباب بقصيدة أخرى:
صباح الخير علي الورد اللى فتح فى جناين مصر
صباح العندليب يشــــدي بألحان السبوع يا مصر
صباح يطلع بأعلامنا من القلعة لباب النصر
صباح الخير على ولادك صباح الياسمين والفل
تعيشي ويفنوا حسادك ويسقوهم كاسات الذل.

باختصار لا بد أن يعلم البشير وسدنته أن الثورة بلغت مدى بعيدا، والحل الإقتصادي مستحيل في ظل وجود البشير، والمظاهرات لن تنحسر بل سوف تنضم لها فئات جديدة وسوف تلحق بها قوي سياسية عديدة تخشى فوات الأوان وأن تندم على تقاعسها.
مشكلة الطغاة أنهم لا يتعظون من مصائر سابقيهم، وكل واحد يظن أنه سيكون الاستثناء في القاعدة وهي حتمية سقوط الطغيان بكل حمولته وفي كل العصور، من نيرون مرورا بفرانكو وحتى شاوشيسكو، مع كل الاحتياطات والقمع المفرط والتضليل الاعلامي وتطبيل السدنة.
يواجه السودان بسبب موقعه والاستثمارات الفاسدة التي دخلت إليه من دول البترودولار ومؤامرات من المحاور العربية التي تخشى عدوى الديمقراطية الحقيقية ولن تسمح بأن يكون السودان الدولة القاعدة للديمقراطية والمثال.
فليرفع الأعراب أياديهم عن السودان وثورته الفريدة المختلفة عن كل ما سمي بالربيع العربي الذي خطط له بأن يجعل الإسلامويين البديل الوحيد لنظم حكم الفرد التي سادت في جميع المنطقة.
من المخجل ترويج معادلة إستمرار نظم الاستبداد مقابل الفوضى. ويقول البشير نحن أو الفوضي مع انهم هم الفوضى ذاتها ولاشيء أكثر منهم فوضى.

شارك على
Comments (0)
Add Comment