عبدالمجيد إدريس .. قاضي النظام وقاضي الثورة على النظام !!
بقلم: سيف الدولة حمدناالله
من سوء تقدير القاضي فؤاد الأمين عبدالرحمن آخر رئيس قضاء في عهد النميري، أنه في صباح 6 أبريل 1985 (يوم إنتصار الثورة) لبس بدلته وتوجه إلى مكتبه بمباني الهيئة القضائية لممارسة عمله كالمعتاد، وحينما إفتضح أمر ذلك، توجهت حشود من الجماهير إلى مبنى القضائية بنية طرده من مكتبه بإعتبار أنه كان يمثل رمزاً لمآسي العدالة التي جسّدتها محاكم الطوارئ في تلك الفترة، وكانت سبباً في تزايد السخط على نظام مايو ومن أسباب سقوطه، وقد إرتبط إسم فؤاد الأمين بمظالم تلك المحاكم وتشويه العدالة.
وقد شاركت بنفسي مع زملاء آخرين في إنقاذ رئيس القضاء فؤاد الأمين من الجماهير الغاضِبة، وذلك بتهريبه عبر سلالم الجناح الشرقي لمبنى الهيئة القضائية، ناحية مكاتب تسجيلات الأراضي، ومن هناك ركب في عربة صالون صغيرة وإنطلق بها إلى منزله ومن يومها لم يحضر إلى مكتبه مرة أخرى، ثم بعد ذلك أُرسلت إليه أوراقه الشخصية من مكتبه إلى منزله، ثم أُسنِدت رئاسة القضاء بعد ذلك بصفة مؤقتة إلى أكبر أعضاء المحكمة العليا سناً (مولانا حنفي إبراهيم) حتى إكتملت إجراءات تنصيب رئيس القضاء الجديد (مولانا ميرغني مبروك) عن طريق الإنتخاب بواسطة الجمعية العمومية لقضاة السودان، وهو رئيس القضاء الوحيد في تاريخ السودان الذي تولّى المنصب بهذه الطريقة.
هذه مقدمة لازمة حتى يطّلِع من خلالها أبناء هذا الجيل من شباب الثورة على نتائج الثورة التي قاموا بها ضد نظام أكثر ظلماً ووحشية من نظام مايو بأضعاف المرات، ففي صباح يوم 11 أبريل 2019 ، وبعد إنتصار الثورة، إرتدى رئيس قضاء الإنقاذ عبدالمجيد إدريس بدلته وإتجه إلى مكتبه بمباني الهيئة القضائية، ومارس عمله كرئيس لقضاء الثورة التي ما قامت إلاّ لرفع الظلم وإشاعة العدل الذي عجز عن تحقيقه قضاء الإنقاذ، بعد أن أصبح القضاء مؤسسة تابعة للنظام والتنظيم. ولا يزال يمارس عمله حتى اليوم.
وتبعية رئيس القضاء الحالي إدريس للنظام وللتنظيم، حقيقة يُجاهِر بها إدريس نفسه ولا يُنكرها، والصحيح أنه كان له دلال ومكانة خاصة في قلوب إخوانه في نظام الإنقاذ، بحيث أنه كان يختار الموقع الوظيفي الذي يُناسِب رغباته وطموحه، فقد قطع برغبته الخدمة بالقضاء أثناء فترة عمله بمدينة وادمدني، وإلتحق بالعمل في الجهاز التنفيذي لولاية الجزيرة في منصب شبه وزاري، قبل أن يعود برغبته أيضاً لمواصلة عمله بالقضاء.
من الممكن أن يفهم الشارع بقاء إدريس ونوابه في مناصبهم حتى اليوم، فكل جهاز الدولة لا يزال تحت عهدة فلول النظام السابق وتحت سيطرتهم، كما أن ثورة أبريل 2019 في نتائجها حتى اليوم ليست مثل ثورة أبريل 1985، برغم أن الثمن الذي دفعه الشعب في سبيل إسقاط نظام الإنقاذ من الأرواح والدماء يوازي أضعاف ما قدمه الشعب في مُجمل ثوراته السابقة، كما أن المظالم التي طالت الوطن والأفراد من وراء نظام الإنقاذ وينتظر أصحابها تحقيق العدل والإنصاف من قضاء مُستقل تعتبر هي الأخرى الأعلى في تاريخ البلاد. قلنا أن الشارع يقهم بقاء إدريس ونوابه في مناصبهم لحين الإنتهاء من الإتفاق على ترتيبات الإتفاق على تشكيل الحكومة بالمستويات الأربع (مجلس السيادة، مجلس الوزراء، السلطة القضائية والجهاز التشريعي).
كل هذا مفهوم، بيد أن الذي يستعصِي على الفهم أن يقوم رئيس القضاء بتوجيه أحد مساعديه (قاضي المحكمة العليا عثمان الصديق أحمد) بمساءلة القضاة الذين شاركوا في الوقفة التضامنية مع قوى الثورة بميدان الإعتصام، وتجري الآن محاسبتهم عن ذلك. وبحسب علمي فقد إمتنع القضاة عن المثول أمام جهة التحقيق أو الرد على الإستجواب .. من يُحاسب من؟