ثورة مفاهيمية (٢٠) … بقلم: د. اشراقة مصطفى

ثورة مفاهيمية (20) … بقلم: د. اشراقة مصطفى

العنف والعنف المضاد في السياسة السودانية.

( كل كوز ندوسو دوس) اثارت غضب وحنق الكثيرين وانبرى لها ابن الحركة الاسلاموية المدلل حسين خوجلي مستنكرا هذا العنف وفي ( كتاحة) غضبه واساءاته لم يبصر الاسباب الموضوعية التي ولدت اي شكل من اشكال العنف المضاد.
لم يفتح الله على حسين خوجلي وغيره من الاسلامويين رفض وانتقاد عنف ( الدولة) وترسانة اقصائها للآخر. من قال وفعل ( فلترق منا الدماء)…. كل الدماء لاجل سلطة ظالمة.
لم اسمع واقرأ عن كم العنف اللفظي الذي مارسته الانقاذ ضد شعبنا ولا العنف الدموي منذ ليلة الانقلاب المشؤوم.
ليلة دهماء حاصرتني اثناء بحثي عن عنف الانقاذ وبين ضباط رمضان والعليفون..
بين طاقات الشباب المهدرة بالرصاص حفاظا على السلطة الدموية وبين المحاولات السلمية للتعبير عن الرأي سالت دماء..
بين سلطة الاسلامويين والعسكر والحركات المسلحة كرد فعل وعنف مضاد ضاعت بلاد واهدرت ارواح وحقوق.
العنف الذي لامحالة مكون لعقلية (دواعش) سودانية ولم نرهف بعد البصيرة لما وراء ( اسمعنا مرة) وفنان يغتال في وضح النهار..
لم يسلم حتى محمد طه محمد احمد كاسلاموي ورأسه منفصلا عن جسده في احدى جرائم العنف السياسي.
عنف مضاد انتجه واقع التهميش والتغبيش وسلطة الاقصاء.
( كل كوز ندوسو دوس) كرد فعل عنيف وموضوعي في ظل العنف المؤدلج لمدى ثلاثين عاما.
من اين جاء كل ذلك؟
هل ارضيتنا السودانية قابلة لتفريخ العنف والعنف المضاد؟
منذ زمن قليل بعد استقلال السودان ومذابح وحروب وعنبر جودة تشهد عليه عين جدي المثقوبة وحصاري له ليحكي ويجاوب على سؤالي القاسي وهو ( يؤدي واجبة كبوليس) وهناك داخل العنبر يختنقون…. رأس غردون يرتفع تاركا ما نسمعه احيانا ( ياحليل الاستعمار/ لو قعد الانجليز شوية كان ده ماحالنا) …..اي ندوب على الذاكرة؟
حرب الجزيرة ابا؟
بيت الضيافة؟
عبدالخالق محجوب ورفاق دربه في 1971
الحروب الطاحنة التي راح ضحيتها الملايين في ظل تغبيش الوعي السياسي..و ( ساحات الفداء… وزعيق يونس وساسة العنف و….Shoot to kill… وهيستريا الاحتفاء بالقنص!
الاحداث التاريخية تتداخل وتتشابك وتفتك بذهني عصفا وعصفا…. لاشيء سوى العصف.
اغتيال شهيد الفكر محمود محمد طه ومشهد مهزلة ( العدالة الناجزة) مازالت تنجز في مشروعها الاخطبوطي.
اي شهيد اغتيل بمبرارات ( العملة) ومازال السودان يدفع ثمن الخصخصة وسياسة التحلل وقطن الجزيرة المنحور على ذاكرة المزارعين والفلاحات؟ هل تبقى شيء في السودان لم تطاله ايادي الخصخصة والبيع العلني؟ الاجابة قطعا عن من تم بيعهم لمحرقة حرب اليمن في ابشع جريمة انسانية ضد شعبنا وشعب اليمن.
ملأت صفحات وذاكرتي تنزف تواريخا من العنف والعنف المضاد.
دخان القنابل واصوات المدافع في الجزيرة ابا كانت سببا مفصليا لارفض فكرة الحرب واقف ضدها ايا كان السبب. كلما اعود لطفولتي التي لم تنسى تلك الليلة المرعبة وقطار يقف في الكبري بين كوستي وربك ويهتز من القنابل.
كم من اطفال السودان لم تحفظ ذاكرتهم سوى الحرب والموت والحرائق؟ اي رعب في عيونهم البرئية وهم يبحثون عن مأوى في مخابيء الجبال؛ في جبال النوبة؟
اي يد صغيرة تاهت تبحث عن يد امانها في امها التي تفحمت في دارفور الغرة؟
(بيوت الاشباح)…الاغنصابات والاغتيالات السياسية.
اي ظهر بلاد انقسم في ظل عالم توحده مصالحه؟
اي عنف يواجه من في معسكرات اللجوء بين سندان مفوضية شئون اللاجئين ومقصلة سياسات الهجرة واللجوء التي سنتها احزاب اوربا اليمينية والاتحاد الاوربي حفاظا على المناخ؟ عنف غض البصيرة في ان الازمة تكمن في طرق توزيع السلطة والثروة التي لم تنال منها شعوبنا سوى عنف مؤدلج وافقار ممنهج.!!
لنراجع تاريخنا بشفافية
لنعيد كتاباته من الناس ومشاوير عذاباتهم الطويلة
لنقرأ بعين نافذة وذهن منفتح احاجي الطفولة؛ اهازيجنا ومناهجنا المدرسية ونتساءل هل خلت من العنف؟
حتى الاغاني والنكات ذات المحمول العنيف و…. نطرب ومشهد ( فوق رقاب الناس معلق سيفنا)…. و ( يارذاذ الدم حبابك)….كنت احبها وادندن بها في زمن تكوين وعي السياسي ولكن… ايا كانت السياقات فلابد من الوقوف بذهن متقد ونقد لمسيرتنا الجماعية.
ذات ذاكرة الطفولة تحتفظ بانين اقدام ( مجنزرة) في ( مسيد) كانت تحرص جدتي على زيارته ولم انشغل بما تناثر حولي من ( تفاف) ولو طهورا بل عصف ذهني الصغير بسؤال هذه الاقدام المقيدة واصوات السيطان على ظهورهم ليخرج الشيطان وحين كبرت ادركت ان اقسى الشياطين هي السلطة الجائرة التي ستدفع بكل هؤلاء للتمرد وفق حراك وعيهم الذاتي….و ( السوط يا جنا…السوط أحلى من الموت يا جنا)…سياقات ومعايير للجسارة؟!!… الرقص على لحن هيستيري ( بتدقا)… كيف يكون الحب مع العنف ( ايها الحبيب اللي ح تدقا)؟!.

لا العنف ولا العنف المضاد في السياسة السودانية هبط من السماء..
لا انزلته ( غزالة) و سببه ( نمل او فئران) ولم يحلم بها ( مامون حميدة) متفرجة ادارة جامعته على ضرب البنات والتحرش بهن.
ان مسيرة الوعي لم ولن تقف ومايحدث الان من حراك في وعي مؤمل ثمرة لتاريخ طويل من العنف والعنف المضاد في السياسة السودانية.

شارك على
Comments (0)
Add Comment