الحصاحيصا.. ذات ليلة! هوامش على جدارية ذكرى ابريل … بقلم: هاشم كرار

الحصاحيصا.. ذات ليلة! هوامش على جدارية ذكرى ابريل … بقلم: هاشم كرار

نادي الشبيبة- الحلة الجديدة- الحصاحيصا..

بناه شباب الحى، نفيرا.. عجنوا الطين وشالوا أقداح المونة.. والآباء قدموا الدعم المادي، والامهات الاكل وترامس الشاى.
أصبح معلما.
من الدرجة التالتة قفز للثانية، والاولى.. صار( بعبعا) ومثل الحصاحيصا في الدوري الممتاز.
كان معنيا بالثقافة.
مصطفى محمد السيد سكرتير النادي الهمام، كان يجيئني في الأيام، بأخبار رياضية، وأفكار.. كنت اسوقه لمكتب الامم المتحدة الإعلامي، القريب من الأيام، شرق سينما كلوزيوم.
في المكتب صاحبي عبدالمنعم عوض الريح- شتلي- المترجم( النحرير).. وامنة حسن مسؤولة المكتبة.
امنة حسن كميات من المروءة، والفهم، والذوق، والحنية والطيبة، والدمعة القريبة.
كانت تمدنا بأفلام تسجيلية لعبدالناصر، ومارتن لوثر، والمهاتما وغير هؤلاء .. وبالات التشغيل.. يحملها مصطفى إلى الحصاحيصا، ويتجمع الشباب للمشاهدة..
بعد اغتيال الأستاذ محمود، كانت كل المؤشرات تقول، أن هنالك نار تحت الرماد.
جاءني مصطفى، في مارس ليشيل.. قلت له خليك من الأفلام..الوضع حاااار.. نعمل ليلة شعرية كبرى في الحصاحيصا.
– موافقين: جيب الشعراء.
أجرينا الإتصالات انا وصاحبي عبدالمنعم رحمة..
القائمة ضمت: منعم، القدال، ودبادي، الياس فتح الرحمن، مصطفى سند، عادل عبدالرحمن، محمد نجيب محمد على وزوجته الكنداكة عوضية يوسف.
اندلعت مارس.. واشتعلت المظاهرات.
كان مقررا للندوة يوم الخميس..
كان مقررا التجمع امام الأيام الساعة الثانية للسفر إلى الحصاحيصا.
تجمعنا..
كلمني محمد نجيب: سند ياهاشم بيعتذر.. بيتو حيطو وقعت.. والمظاهرات حايمة في الشارع.. قال ح يحرس البيت!
بحافلة الأيام إلى السوق الشعبي، استغرق المشوار اكثر من ساعتين: كانت كل الشوارع حلاقيم، وإطارات محروقة، وبمبان. كنا نحاول المرور من شوارع جانبية.. وكانت تلك كلها متظاهرين!
من السوق الشعبي…
وصلنا الحصاحيصا، المغيرب..
كان ناس الشبيبة جاهزين: موية ونور.. والحملة الدعائية لليلة الشعرية، بالمايكريفون المتجول، والشعارات..
كانت الترتيبات أن يكون العشاء، في بيتنا او في بيت ناس مصطفى، لكن سلطان الكيف، شب بصوته المشلخ لى ورا: طلاق تلاتي ياجنيات.. ولااا كلمة.. العشا في بيتي.. حرم!
الحلة الجديدة.. بيوت مفتوحة.. وصحانا حايمة من بيت لى بيت.. الحالة واحدة..
في الطريق إلى نادي الشبيبة، من بيتنا، مررنا ببيت سلطان الكيف في الشارع التاني: كان خروفو معلق.. وسكين الجزار حمرا..
أمشوا.. أمشوا.. أنا جايي وراكم..
قال ماقال وهو يحمل الكرشة لى جوا!
.
.
.
احتشد نادي الشبيبة بالخلق.. وغرب النادي مباشرة- على السكة حديد- تزاحمت خلوق.
نفخ مصطفى المايكريفون.. 1، 2، 3..
وواعتلت المنصة عوضية يوسف، تقدم الشعراء.
انتصب الياس فتح الرحمن اولا. كان في صوته رائحة من رائحة البمبان” ” جئناكم، وتركنا الخرطوم، تتنفسُ برئة واحدة.. وأجمل من رائحة النضال لم نشم رائحة!”
كلام الياس شعلل الأكف، بالتصفيق..
واشعاره، حلقت بالخلق..
و.. قدمت عوضية زوجها محمد نجيب، فحلق هو الآخر بالحضور.. ومحمد نجيب- بمايشبه اللدنة في صوته- حين يقرأ شعرا، تكف -حتى الشياطين- عن الوسوسة.. ذلك رجل عجيب!
وقدمت عوضية ود بادي.
اعتلى المسرح، بالعمة والجلابية: ” ياناسنا سلاااااام!
ودوت اكف الناس بالتصفيق، حتى تفرتقت عمته. كانت في مؤخرة ادمغتهم، قصيدته الشهيرة جدا، تلك التي كانت قد تخرجت من جامعة الخرطوم- قبل أن يتخرج هو- واشتغلت ( شغلا) في العاصمة، وفي الشمالية، والشرق، والغرب، والجنوب، وفي كل مناطق الشدة!
في صوت ودبادي، طمباري وطياني، وأمباشيا شلوخو لى ورا- من الأضان للأضان- يقطع التعظيم : تمام يافندم!
نظرت إليه، وهو يعدل عمته: كان مثل نخلة شايلي، سبيطها يتفدع، ويتجدع!
تنحنح..
أقسم بالله، رأيت في نحنحته تلك( بركاويا) أهيف، طويل، راجلا لى تمرتين:راجلا لى ( بت تمودة) يادوووب نهيداتا شبن لى فوق، ولي( قنديلة) ملظلظة، سماحة الدنيا فوقا1( ومابين القوسين من اسماء التمر في الشمالية)
ارتفع صوته: ياسكان القصر العالي سلااام!
وربربت الأكف بالتصفيق: رب رب رب!
عليكم امان الله، الربربة ديك، سمعتا المايقوما والضقالة( وهاتان حيان) في اقصى شمال الحصايصا!
ذلك قول سلطان الكيف فيما بعد، وهو يتحدث عن الليلة!
ومثل.. مثلما” ارتفع ضوء الفجر يومُ) كان عبدالمنعم رحمة، على المسرح..
قال: لن أقول لكم بأكثر مما قال الياس فتح الرحمن. نتمنى ان نشم رائحة البمبان هنا!
ودخل في الشعر: أنا اتبرا!
وفارت الأكف.. نار وحديد!
و…… نادت عوضية على القدال
اعتلى: جيناكم وجيتونا.. ودي المحرية فيكم!
وراح يقرأ: ياحاج نوينا..
حتى إذا ماوصل إلى ” كلاب الأمن) كانت الأكف حلاقيم: رط رط رط.. وكل تلكم الرطرطة، كانت تهتف بحلاقيم الاكف : لن يحكمنا جهاز الامن.. جهاز الامن جهاز فاشستي!
نزل القدال، بعد ان عبأ الأكف بالهتافات..
واعتلى المنصة عادل عبدالرحمن، ليشعل.. ويزيدها اشتعالا!
.
.
.
سلطان الكيف، وأخوه عبدالمنعم، والشفع.. كانوا حفاية. الصواني يا الله الله!
لم يكن عشاء للضيوف فقط.
كان عشاء مفتوحا لكل الناس.
– ياود بادي.. وياود كرار.. تعالوا انتو جنب القراصة دي.. الشغلات التانية دي مابتنفعكم.. خلوها للناس التانين!
ذلك كلام، سلطان الكيف.
اتعشينا وشربنا. وقفنا زُت!
وجاءنا من يقول إن ناس الامن حايميين في الحلة.. وفي الشارع دا!
ولاااا خسانا!
هكذا قال القدال!
الحذر، كان مهما.. لذلك كان الإتفاق ان يتفرق الشعراء بين البيوت للنوم، سرا..
فرقناهم بمنتهى السرية..
ومشى محمد نجيب وعوضية إلى بيتنا.. ولحقتهم..
رقدوا، وصنقرت أنا قدام البيت.
جاءني مصطفى محمد السيد بعربته المورس البيضا: تمام .. كل الناس وزعناهم.. لكن ناس الامن لسه حايمين.. بتشمموا!
كانت الساعة قد اقتربت من الواحدة والنص صباحا..
قلت له: يامصطفى يللا لرئيس جهاز الامن في بيتو، في حى العمدة!
كان رئيس الامن في الوقت ذاك ( محمد. نجيب).. من أجمل وأطهر وأنبل أولاد الحصاحيصا.
كو كو كو.. دقينا الباب.
انفتح.
بعد كيفك.. وتمام.. حدثته عن الليلة.. وناسكم الحايمين!
أخبرنا إنه قد دخل البيت قبل ربع ساعة من مدني.. كان هنالك اجتماع عاجل لروساء الأمن في الجزيرة.
يا .. يا لظرف محمد نجيب.اراد بجملته تلك ان يذهب عنا حرج كوكوتنا لباب بيته في تلك الساعة المتأخرة.
أها.. الامور في تقديركم كيف؟
والله الوضع متفجر.. وماشي في تفجير أكتر.. دي كانت حساباتنا.. مدني مولعة وسنار وسنجة و .. و…..
رجع لموضوع الندوة.
احتمال ناسي يجوبوا ليا التقرير بعد شوية.. لكن اقول ليكم: دسوا الشرايط لو كانت الليلة مسجلة.. غتسوا حجرا.. حتى مايكون في دليل.. وسفروا الشعرا بدري بعد الفطور.. وأنا جماعتي بمسكن لمن جماعتكم يسافروا!
شكرناهو: والله يا محمد.. غايتو.. ماعارفين نقول ليك شنو!
دسيناها.. جنس دس!
محمد نجيب..
ذلك أنموذج لرجل امن.. من أولاد البلد.. رجل يستحق التحية.. ويستحق ان نسجل اسمه في جدارية ذكرى مارس ابريل!..

بعد الإفطار، سافر الشعراء، كل في باص..
وفي العصر، اشتعلت الحصاحيصا: سقطت.. سقطت.. سلطة مايو!

شارك على
Comments (0)
Add Comment