والسّاقية لسّه مُدوِّرة!!
(1)
قبل أن يلقي السّيّد رئيس الجمهورية خطابه المُرتقب في ليلة الجمعة الأخيرة، اجتمع السيد مدير جهاز الأمن والمُخابرات بقادة العمل الإعلامي المحلي والأجنبي، وكشف لهم عن أهم مُحتويات الخطاب، وهي إلغاء التعديلات الدستورية المُتعلِّقة بإعادة ترشيح رئيس الجمهورية، وتحلُّل السيد رئيس الجمهورية من رئاسة المؤتمر الوطني ليقف على مِساحةٍ وَاحدةٍ من القوى السِّياسيَّة كَافّة، ثُمّ تكوين حُكومة كفاءات وأخيراً إعلان حَالة الطوارئ لمدة عامٍ، وبالفعل أشَارَ خطاب السيد رئيس الجمهورية للأربع نقاط أعلاه، ولكن بلغةٍ مُختلفةٍ عن لغة السيد قوش، فعِوضَاً عن إلغاء التّعديلات الدستورية وردت كلمة تأجيل، وبدلاً من تَحلّل من رئاسة الحزب، جاءت عبارة الوقوف على مسافةٍ واحدةٍ.. وهي أصلاً موجودة في كلام قوش، وعِوَضَاً عن حكومة تكنوقراط، جاءت حكومة كفاءات وطنية وهي أصلاً موجودة في كلام قوش، أمّا النقطة الرابعة وهي إعلان حالة الطوارئ فهي الوحيدة التي حَدَثَ فيها تَطَابُقٌ!
(2)
كل الوسائط الإعلامية كانت قد طارت بكلام قوش قبل الخطاب تحت عنوان (تسريبات)، لذلك اعتبر خطاب رئيس الجمهورية تراجعاً عن السقف الذي أعلنه السيد مدير جهاز الأمن، لا بل ذهب بعضهم إلى القول بأنّ هناك تغييراً في لغة الخطاب من التّأكيد إلى الاحتمالات، مُستصحباً تأخير مَوعد بداية الخطاب لأكثر من ساعة..!
ولكن يبدو لي أنّ هُناك زاوية أخرى للنظر في هذا الأمر، وهي أنّ مَا قَاله السّيّد قوش ليس تسريبات، إنّما استباقٌ أو قيدومة مقصودة للخطاب، فالخطاب قد يكون هو نفس الخطاب، ولكن يبقى ما صرّح به الدكتور فيصل إبراهيم مساعد رئيس الجمهورية من أنّ البشير سوف يظل رئيساً للمؤتمر الوطني ويُدير الحوار الوطني من على مُسافةٍ واحدةٍ من القوى المُتحاورة كَافّة هو الذي ألغى تحلُّل رئيس الجمهورية من رئاسة الحزب.. وهنا يطرح السؤال نفسه لماذا اللجوء للغة حمالة الأوجه المُتعدِّدة بدلاً من اللغة القاطعة؟ هل المقصود إيجاد هامش للمُناورة؟ هل لتعلية السقف من أجل التحاور؟ هل للتراجع إذا واتت الظروف؟!
(3)
إنّ مُشكلة السِّياسة في السُّودان ليست في النُّصوص سواء كانت نُصُوصَاً دستورية أو قوانين أو لوائح أو حتى خطابات رئاسيّة، إنّما في التطبيق.. عليه الخطوات التّنفيذيّة لذلك الخطاب هي التي سوف تُؤكِّد اتّجاه خطاب الرئيس، فمثلاً لو قرّر الحزب الوطني وبأعجل مَا تَيَسّر اختيار رئيسٍ جديدٍ له يكون ما جاء في الاستباق هو المقصود هذه واحدة، أمّا الثانية ننتظر تكوين الحكومة الجديدة لنرى هَل سَتكُون من التّكنوقراط أم مِن حزبيين، فالكفاءة قد تكون موجودة في السِّياسيين وغيرهم.
وَسَنرى (طبعاً للحي البعيش) إن كَانت الطوارئ لمُحاربة الفَسَاد من تجارة عُملة وتهريب وتلاعب بأموال الشعب والذي منه، أم لمُحاربة حُرية التّعبير؟! وبهذا سوف تكشف لنا الأيام المقصود بتأجيل التّعديلات الدّستورية، هل إلغاءٌ نهائي أم إيقافٌ مُؤقّتٌ؟!
نقطة مُهمّة لا بُدّ من التّوقُّف عندها قبل مُبارحة هذا الموضوع، وهو أنّ الخطاب المُشار إليه ليس مُوَجّهاً للداخل فقط، فهناك فاعلون إقليميون وعالميون, قد يكون الإبهام مُوجّهاً لهم هم الآخرون، والشرح الكثير قد يفسد المعنى.