يوم استسلم الحداثيون للإدارة الأهلية بعد حرب فاشلة

يوم استسلم الحداثيون للإدارة الأهلية بعد حرب فاشلة

بقلم: عبد الله علي إبراهيم

تهزأ المآسي التي وصفتها للقبائل التي أرادت الخروج المضرج بالخلاف والدم من “التبع” لقبائل امتلكت الدار التي فيها مقامها ببعض أساطير الحكم والسياسة عندنا. والتبع كما وصفته “استعمار داخلي” تخضع به القبيلة التي لا دار لها لسلطان لقبيلة صاحبة الدار.

وككل استعمار فالتبع يوفر للقبيلة الانتفاع من أرض لا تملكها لقاء ضريبة مع الحرمان من الحقوق السياسية. فلصاحب الدار وحده النظارة وللقبيلة التبع شياخات تحت الناظر. ومتى سمعت أن جماعة في الريف طلبت النظارة فأعرف أنها من مظاليم الريف نهضت متأخراً ب”حركة وطنية” للاستقلال.

وعلى رأس أساطير الحكم والسياسة التي تبددها مآسي التبع التي جئنا بذكرها ما شاع من أن الإدارة الأهلية هي صمام أمن الريف. فلقد رأينا في مقال سبق جماعات سودانية مروعة المعاش والخاطر لعقود من الزمان (بعضها لقرن وأكثر) طريدة أعراف بولتيكا النظارة التي انزلتها منزلة التبع المهينة، وجردتها من الصوت السياسي على أرض هي مدار معاشهم.

ورأينا في مواضع أخرى، علاوة على الخاطر الأهلي الكسير، كيف كانت الإدارة الأهلية “حرباً أهلية” بين القبيلة السيدة والقبيلة التبع أزهق أرواحاً وضرج ضحايا بالدم.

فالقول بأن أمن الريف طي الإداره الأهلية هو مجرد إيدلوجيا لبيروقرطية الدولة السودانية الحديثة التي تأسست على عهد الاستعمار. فكشفت مآسي قبائل التبع عن العاهة البنيوية في هذه الدولة الموروثة عن الاستعمار “صرة في خيط”.

وهي دولة عنصرية في قول محمود ممداني حكمت المستعمرة بنظامين: واحد للمدينة التي أنشأتها وآخر للأهالي في الأرياف تحت أبائهم الطبيعيين. فالأهالي تحت هذه الدولة لا ينتمون إلى فضاء مدني، بل إلى فضاء إثني. وحقوقهم وواجباتهم قيد أعرافهم التي هم مجبرون على إتباعها. والأعراف على خلاف من الحقوق المدنية التي هي مدنية وسياسية. ولما أخذت الدولة الاستعمارية بالأعراف اصطنعت ببولتيكا النظارة مواطنتين في الريف نفسه كما رأينا. واحدة “قبلية” مميزة لها رتبة النظارة لتملك الأرض حيث هي، وأخرى “تبع” تخضع بها الجماعة التي بلا دار لعلاقة استعمار داخلي في وصفنا لها.

أبقت البيروقراطية بعد الاستقلال الدولة الاستعمارية كما ورثتها سوى من هياج حداثي قصير العمر حل به نظام نميري الإدارة الأهلية بليل في ١٩٧١ ثم استردها لا يلوي على شيء. ولم نجرؤ على تفكيك الدولة فحسب، بل توطدت فينا عقيدة أن الإدارة الأهلية هي أسعد ما وقع للريف. وارتكبت صفوة الاستقلال خيانة سياسة برفع يدها عن إصلاح دولة الاستعمار. واستسلمت للإدارة الأهلية صنيعة الاستعمار وكانت صوبت نيرانها نحو ذلك الاصطناع في أوقات فتوتها في الحركة الوطنية في كتابات محمد أحمد المحجوب، ومعاوية محمد نور، ومذكرات مؤتمر الخريجين كما سنرى.

فأسمع لمنصور خالد يرفع راية الاستسلام للإدارة الأهلية التي سبق له حربها مع جيله الحداثي، ويطري عبقريتها للعالمين في آخر كتبه “شذرات” (٢٠١٨):

القيادات الأهلية لم تكن جماعات أوتوقراطية مهيمنة كما تصفها بعض الجماعات اليسارية، بل كانت مؤسسات تكفل الحقوق للأسر والأفراد، وتدير النزاعات بين المجموعات، وترسخ الأمن المجتمعي في جو من الحوار والتعافي.

ومن المستغرب أن يصدر مثل هذا القول عن منتسب لنظام كان حلها في ١٩٧٠ بعشوائية مرسلة سجل عبثيتها مرتضى أحمد إبراهيم وزير الري في نظام نميري. فلم يعرض الوزير جعفر بخيت، وزير الحكومة المحلية، تقريره لحل الإدارة الأهلية على اجتماع مجلس الوزراء. واكتفى بتلخيصه شفاهة.

وصمت جميع الوزراء عن النقاش كأن على رؤوسهم الطير سوى حسن عبد الجليل، وزير الدولة، الذي اعترض على وجوه كثيرة على الخطة. وامتنع مرتضى نفسه عن النقاش بعد دعوة نميري له بالاسم دون غيره لسابق مناكفاته حتى تصالح مع نهج مجلس الوزراء منذ رآه يجيز السلم التعليمي.

فعلم مرتضى علم اليقين أنه لا يُعرض أمر على مجلس الوزراء لم يكن الوزير صاحب الأمر قد حصل على موافقة نميري عليه من وراء ظهر المجلس. فقد عرض الوزير محي الدين صابر خطة تغيير السلم التعليمي في مساء اليوم نفسه الذي صدر فيه الإعلان بأن نميري سيعلن ضربة بداية المشروع في صباح اليوم التالي.

ومما يفاقم الاستغراب من عبارة منصور المادحة للإدارة الأهلية أنه سبق أن حمل مرتين على الإدارة الأهلية كما سنرى.

شارك على
Comments (0)
Add Comment