موقف عمومي … بقلم: د. هاشم غرايبه
جزيرة العرب التي أكرمها الله بأن جعل فيها بيته الحرام، فصارت قبلة أنظار الناس الى يوم الدين، منحها الحماية فلم تخضع يوما لأية أمة غازية، فقد غزا الأحباش والفرس والإغريق والرومان والفرنجة والمغول والأوروبيون والأمريكان كل ديار العرب واستعمروها قرونا، ووصلوا أطراف الجزيرة، لكنهم لم يمكنهم الوصول الى بيت الله قط، وفي المرة الوحيدة التي حاول فيها أحدهم (ابرهة الأشرم) ذلك، قصمه الله بالطير الأبابيل، فارتد عنه خاسئاً.
ومنحها الرعاية بأن أودع في باطنها من الخيرات ما يغنيها، كما جعل أفئدة من الناس تهوي إليها، وتجبى اليها من كل الثمرات التي لا تنبتها أرضها.
المفترض إزاء ذلك أن يعمل أهلها شكرا لله، لكننا رأينا قلة من الشاكرين وكثيرا من المترفين الفاسقين.
من هؤلاء الذين قدروا نعمة الله عليهم حق قدرها، الملياردير السعودي” سليمان الراجحي”، الذي توفي عام 2020 عن عمر 97 عاما.
يستحق هذا الرجل أن يذكره الناس بالخير، فشتان بين من كان محسنا نافعا للناس ومن كان يكنز المال طمعا وجشعا، أو ينفقه إسرافا وفجورا.
المعروف عن هذا المحسن الكبير أنه بدأ حياته فقيرا، لم يجمع أمواله من النفط ولا لكونه من الأمراء والأشراف بل بالجد والجهد، آلى على نفسه أن يخرج من الحياة كما بدأ، فوزع ثلثا ثروته على من سيرثونه لأنه لا يريد أن تحدث بينهم خلافات كما تحدث عادة بين من يرثون الأموال الطائلة، الثلث الباقي استثمره بهدف جعله وقفا، وفي بضع سنين بارك الله به فعادت قيمته كما كانت ثروته قبل توزيعها .. أي ستين مليار ريال، جعلها جميعا وقفا خيريا، ومن ضمنها أكبر مزرعة نخيل في العالم (في القصيم) تحتوي على مائتي ألف نخلة.
لم يبق لنفسه إلا ما يقيم حياته، حتى يلقى وجه ربه وليس في ذمته مكنوز، أوصى أولاده أنه إذا احتاج علاجا أن لا يرسلوه الى الخارج، بل في مستشفى الجامعة التي أنشأها.
كم من أثرياء بلده أصابهم الخرف وهم أصغر منه سنا، أو ضعفت أقدامهم عن حملهم أو تعطلت أجزاء من أجسادهم عن أداء وظائفها، أما هو فقد ظل يعمل بكامل طاقته العقلية والجسدية حتى أيامه الأخيرة، كان يجيب من يسأله عن سر حيويته وقوة ذاكرته: يا بني حفظناها في الصغر من مخالطة الحرام فحفظتنا في الكبر.
في المقابل، تجد السواد الأعظم من مترفي الجزيرة العربية، قد أفسدهم الغنى ففسقوا وبطروا، كمثل الذي تراه في مقطع مصور لحفل افتتاح قصر لأحدهم في الطائف، والبذخ الفاحش في البرك والحدائق، والإسراف في حجم الطعام الذي سيرمى معظمه في النفايات، فيما يعاني الكثيرون من أطفال الأمة والعالم من سوء التغذية.
أو مائدة يقيمها أحد الأمراء وعلى كل طاولة جمل بكامله يتناوشه بضعة عربان فيما كان المحاصرون في مخيمات النزوح لا يجدون ما يأكلونه غير أوراق الشجر.
في شريط مصور آخر، يعرض قافلة من الخدم يحمل كل منهم هدية ثمينة من حلي ومجوهرات أو ملابس وعطور، يسيرون في طابور طويل الى بيت العروس التي ينوي نجل الأمير خطبتها.
وفي آخر غيرهما، أحد الذين هبطت عليهم الثروة لحسبه ونسبه يهدي نعجاته المحظوظات أطواقا من الذهب يبلغ الواحد منها عشرات أضعاف قيمة النعجة.
لا يختلف هؤلاء عن نفر آخرين يحتفلون في رأس السنة بألعاب نارية تكلف عشرات الملايين، تفرقع عشر دقائق وتذهب هباء منثورا لا يبقى منها غير الدخان.
كم تشعر بالإحتقار تجاه هؤلاء، وتراهم وهم يتباهون بنشر سخافاتهم، يظنون أن الناس ستنبهر بثرواتهم التي يبذرونها، ويعتقدون أن الناس ستتنهد متحسرة وتقول ما قيل في قارون:”.. إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ” [القصص:79].
إن الناس على العكس مما يظنون، لن يغبطوهم على تفاهتهم، بل سيعتبرون أفعالهم هذه سفاهة يستحقون عليها الحجر، ولو كان نظامنا السياسي ينتهج الإسلام لفعل ذلك، لأن ما يقومون به سيلحق العقاب بالأمة جمعاء تنفيذا لسنة الله في الأرض: “وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا” [الإسراء:16].