مبتدأ وخبر … بقلم: د. هاشم غرايبه

 مبتدأ وخبر … بقلم: د. هاشم غرايبه

المبتدأ: جرت أحداث هذه القصة الحقيقية في إحدى القرى الأردنية في فترة الستينيات.

كانت صبحية التي تبلغ الخمسة عشر عاما من العمر فتاة عاقلة مدبرة، تربي بضعة دجاجات وتدخر كل ما يمكنها توفيره من بيع بيضها، إضافة لما تناله من عيديات.

بالمقابل كان أخوها “صبحي” الذي يكبرها بخمس سنوات، مبذرا يصرف كل ما تطاله يده، لذلك كانت حريصة على إخفاء ما تدخره عنه، رغم ذلك فقد ضبطها يوما وهي تتفقد كنزها من القطع المعدنية، فسألها عن قيمتها، فلم تستطع أن تخفي الحقيقة عن أخيها الأكبر، فاعترفت بأنها بلغت خمسين قرشا (نصف دينار).

قال لها: لماذا تبقي نقودك فكة فهي عرضة للضياع، أودعيها في البنك فسيحتفظ لك بها.

قالت في فزع: أخشى أن أفقدها، كما أنني لا أعرف كيف يودع المال في البنك.

رد عليها: لا تهتمي سأتكفل بالأمر.

في اليوم التالي ذهب مع أصحابه الى عمان، واشترى ورقة إيصال مطبوع من المكتبة، وكتب عليها نتعهد بدفع مبلغ نصف دينارالى صبحية، ثم ذهب وأصحابه الى السينما وبعدها تعشوا، وبالطبع لم يعد ليلا إلا وقد قضى على الخمسين قرشا.

ظلت صبحية تحتفظ بالوصل، وفي إحدى الليالي صحا أخوها على صوت بكائها، ولما سألها عن السبب، قالت أنها حلمت أن النصف دينار فقدت، فوبخها قائلا: كأنك لا تستأمنينني!؟… إذا كنت كذلك سآخذك غدا الى البنك لتريها بعينك، فردت: حاشا لله، واعتذرت.

مرت الأيام وهي تخجل أن تسأله عنها، وبعد أن مات الأب، باع صبحي الدكان الصغير مصدر دخل العائلة الوحيد بحجة نية التوسع، لكنه صرف المبلغ كالعادة، ثم أخذ ببيع كل ما يمكن بيعه، وعندما أصبح بيتهم خاويا توقفت صبحية عن السؤال عن النصف دينار.

الخبر: في أواخر القرن العشرين، ظهر في المنطقة العربية مصطلح الخصخصة، وعرّفه مستشارو الأنظمة الإقتصاديون على أنه يعني إدخال شركاء أجانب ذوي خبرة إدارية وتقنية لتحسين أداء المؤسسات الحكومية الإنتاجية (مؤسسات القطاع العام)، التي باتت غير مجدية بسبب الفساد وسوء الإدارة المزمنين، نتيجة لتعيين ذوي المحسوبيات الذين تنقصهم الكفاءة فيها.

استبشر المواطنون الذين يئنون من وطأة الأوضاع الاقتصادية الخانقة التي خيمت على كل أقطار العروبة، ونجمت عن انتقال السلطة الى الجيل الثاني من أنظمة (سايكس – بيكو)، والذي اعتاد البذخ، ولا تكفيه القناطير المقنطرة المخزنة في حسابات الآباء، فبات يبحث عن بيع المزيد من موجودات الوطن لحاجته الى دوام جريان السيل المالي.

فكانت الذريعة للبيع هي الخصخصة، بناء على نصيحة (المستشارين)، والذين هم شبكة دولية من ذوي الخبرة في معرفة من أين تؤكل الكتف، ولهم أتباع ووكلاء محليون يتمتعون بعلاقات وثيقة مع أصحاب القرار، استفاد هؤلاء من العمولات الضخمة (الكوميشن) التي نالوها لعقد الصفقات، وبداية قدموا لسنتين متتاليتين ميزانيات لمؤسسات القطاع العام تظهر خسارة، ورفعوا قيمة الاستهلاكات المتراكمة للموجودات، لتصبح قيمتها الحالية قريبة من الصفر، لتبخيس القيمة الاجمالية عند البيع، ليظهروا وكأن القيمة المقدرة صفقة مربحة للدولة، رغم أنها حقيقة أقل من الربع، وعندما تم البيع الفعلي دفع المشتري ضعف القيمة المقدرة، لأن نصفها سجل في سجلات وزارة المالية والنصف الأخر ذهب كعمولة.

للتوضيح: لنفترض أن مؤسسة قيمتها الفعلية 100 مليون، لغايات الخصخصة قدرها (الخبراء!) بـ 25 مليونا، المشترون دفعوا فعليا 50 مليونا، 25 مليونا سجلت موارد للخزينة كعائد للخصخصة، و25 مليونا ذهبت في الدهاليز المظلمة للشركاء في عملية السطو على ممتلكات الوطن.

قيل وقتها أن هذه الأموال (عوائد الخصخصة) هي من حق أبناء الوطن، لذلك سيحتفظ بها بما سمي صندوق الأجيال، وأنه سيبقى في حرز حريز للأجيال القادمة.

ظلت صبحية تأمل باستعادة ما إذخرته ..لكنها بعد أن رأت أنه تم الإجهاز على الأخضر واليابس، وجدت أنه من البلاهة أن تسأل عن مصيره.

شارك على
Comments (0)
Add Comment