صبحي فحماوي: الاهتمام والحب جعلاه يتقن وصف البيئة في كتاباته صحيفة تشرين: نجوى صليبه

سيرته الذاتية غنية غنى حديقة يقلّم أزهارها ويداعب وريقات نبتاتها، في رصيده ثلاثة وثلاثون كتاباً في مختلف الفنون الأدبية بين قصة ومسرح ورواية، وإن تحدثنا عن الرواية باعتبار أن زيارته الأخيرة إلى دمشق كانت للاحتفاء به روائياً أكثر منه قاصاً أو مسرحياً، نجد أنّه في عام 2005 كتب رواية «عذبة» وصدر منها ثلاث طبعات، الثالثة كانت عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق، وهي رواية شاملة لمعاناة الشعب الفلسطيني في سائر بلاد الشتات، وفي عام 2006 صدرت روايته «الحب في زمن العولمة»، وفي عام 2007 صدرت روايته «حرمتان ومحرم» في طبعتين عن دار «الهلال» المصرية ودار «الفارابي» اللبنانية، وهي تتحدّث عن معاناة المرأة الفلسطينية وعذاباتها تحت الاحتلال والحصار، وأتبعها برواية «قصة عشق كنعانية» وفيها يعود الأديب الفلسطيني الأردني فحماوي إلى الماضي، إلى العالم الكنعاني من أوغاريت وحلب شمالاً إلى أقصى غزّة جنوباً مروراً بمدينة جبيل وبيروت وصور وصيدا، وهي قصّة حب ورحلة لتوحيد هذه الأرض.

ومن الماضي يقفز فحماوي إلى المستقبل ويستشرف حال مدينة الإسكندرية فيكتب رواية «الإسكندرية 2050»، وحسب فحماوي، فإنّ أكثر التفاصيل أهمية في هذه الرّواية هو أنّ لون الإنسان ولون كلّ الحيوانات في يصبح أخضر، لأنّها تحولت وراثياً فصارت تأكل من التّمثيل الضّوئي، ولهذا فإنّ الإنسان لم يعد يقتل أخاه الإنسان بل يتفرغ للحب فقط، فالحب في رأيه هو الحياة، يقول: لاحياة من غير محبة، (الحياة محبة )محبة كل شيء، توجهي نحو الحب هو حب الوطن وعشقي له، التسلية هي نسيان الحياة وهذا النسيان أنا أرفضه ولا أمارسه أبداً، أنا لا أتسلى بالوقت بل أستمتع به.. وإن لم أحب مهنتي فلن أفلح بها.
في الرواية العاشرة (قاع البلد)

سنوات تسع مرّت على آخر زيارة للأديب الأردني صبحي فحماوي إلى دمشق، لكنّه اليوم يزورها كأحد أفرادها وضيفاً يحتفى به وبروايته العاشرة «قاع البلد» التي تتخذ من الحاضر زمناً لأحداثها على خلاف الرّوايتين السّابقتين، يقول: أنا لا أميّز بين رواياتي، على الرّغم من أنّ الزّمن والمكان والبيئة وكلّ شيء مختلف، في «قاع البلد» نتحدث عن الحاضر عن نكسة الـ 67 وكيف انتقل الكثير من الناس من غرب النّهر إلى شرق النّهر ووجدوا أنفسهم في حياة شبيهة بالموت، ظروف صعبة وقاتلة حتى إن الهربيد يرى والده وهو يموت أمامه في الرّمال المتحرّكة، من دون القدرة على إنقاذه، فيمشي ويترك كل شيء ليجد نفسه في قاع البلد التي – وكما عادتها – تجمع كلّ شيء، فهي المدينة التي تستضيف كل الناس ولكنها لا تعرف أحداً، هذه الرواية تتحدث أيضاً عن الفلسطينيين الصابرين، ليس لأنهم جبناء بل لأنّ في ظهورهم مليون سكين، على رأي الشاعر حيدر محمود
“أيوب لم يصبر كما يتوهم الحكماء عن جبن
ولكن السوافي أسلمته إلى السوافي
في ظهره مليون سكين
وفي رئتيه آبار من السم الزعاف”
وتنتهي بتعقيد هذا الهربيد الذي صار يسكر ليصحو، على رأي الشاعر عرار “بعضهم يشرب للسكر ولكن
بعضهم يشرب يا شيخ ليصحو”
وهنا تجد الهربيد ، شخصية الرواية الرئيس، يعيش منتظراً ، متحفزأ يشحن نفسه للعودة إلى وطنه فلسطين.
في هذه الرواية وفي روايته«الإسكندرية 2050» يتجول فحماوي بكل راحة ودقة بين حارات المدينة، فما الذي يجعل الكاتب متمكناً من بيئة روايته؟ يجيب فحماوي: – أنا درست البكالوريوس في جامعة الإسكندرية وأعرف بيئتها وحاراتها حتى إنّ أصدقائي المصريين الذين يعيشون فيها تفاجأوا وقالوا إنّني أعرف المكان أكثر منهم، فأقول أن اهتمام الروائي هو الذي يجعله يتقن هذه البيئة، فمن يسير في السّوق ويريد شراء العطر لا يرى شيئاً آخر سواه، كلّ إنسان يبحث عن هدفه، وأما أنا فعيني كاميرا تشاهد الأشياء والفروقات، وأدّعي أنّ عيني مغناطيس تجذب هذه الصّور، وتصل إلى عقلي وتخزّن الملفات فأجمعها وأكتب اهتماماتي، نجد عوالم صعبة وغريبة وجميلة وخرافات وعالماً ممتع التّعرّف عليه.
قاع البلد
– يتّجه البعض إلى القول بتراجع الرّواية العربية، لكنْ للروائي صبحي فحماوي رأي مختلف، يقول:
الحقيقة لا أرى أنّ الرواية تراجعت، لكن زاد عددها، فإن كان لدينا عشرون كاتباً للرواية صار لدينا الآن عشرون ألفاً، والحقيقة لا وقت للإنسان لقراءتها جميعاً في خضم واجباته وظروفه، الكتب الزّائدة لا تشبّه بمكتبة الجاحظ ، فهناك كتب سطحية ، وصار أي شخص يطمح إلى الشهرة، يكتب الرواية معتمداً على الجنس والشتائم ليحقق مبتغاه بسرعة، أي صارت هناك انحرافات للشّهرة، كما أنّ الجوائز التي صارت تُعطى في بلاد النفط أثّرت في ما يكتبه الروائي، فجائزة البوكر مثلاً تعطي الجوائز للروايات التي تحتوي على الإغراء والتّطبيع، ولا أعمم طبعاً، وهذا أضعف الرّواية العربية، مضيفاً: الأدب فن وإبداع وخيال ودراما وقيمة جمالية من حيث اللغة والانتظار والتوتر والشد والقصة واللغة… الرواية ليست مزحة بل هي عمل متكامل وأنا أدّعي أنّ الرّواية هي أم الفنون.
يحمل فحماوي قضيته ويسير بها بين القصص والروايات والبلدان، وتنطبق على أدبه صفة «الأدب المقاوم» بامتياز، لكن هل لهذا الأدب جمهور، وأين هم كتّاب هذا الأدب اليوم؟؟ يجيب فحماوي: هناك أكثر من صورة، هناك أدباء وطنيون كثر، مثل؛ أميل حبيبي، وإبراهيم طوقان، ومحمود درويش وعبد الرحيم محمود، وعبد الرحيم عمر، وآخرون كثيرون، فحين يقول:
(هذا البحر لي.. هذا السماء الرطب لي..) هذا يعني أنّه يطالب بكلّ قطعة من أرض فلسطين من البحر الى النهر، ولا يحدد مكاناً أو مدينة وهذه قمة المقاومة كذلك الشاعر سميح القاسم عندما يقول:
( تقدموا تقدموا.. ففوقكم جهنم وتحتكم جهنم)
بعض الكتّاب يسيرون في هذا النّهج الوطني المطلق، وأدّعي أنّي واحد منهم، ولكن للأسف، صار لدينا حتى في داخل فلسطين فئة من الكتّاب المرتزقة الذين يكتبون للحاكم ويلمعونه ويقبضون من الدّول المانحة التي تحرفهم عن المسار الصحيح وتغريهم بالسفر والمناصب والفنادق فيستمتعون بجيوبهم ويقبضون ليكتبوا، لا يكتبون ليقبضوا أجرهم، وهناك نوع آخر يمارس الخطيئة الوطنية أو الفكرية بينما تجده في مكان آخر يقف ويخطب خطابات حماسية وطنجية، وهؤلاء صار لديهم انفصام في الشّخصية، وهناك طبقة تخدّرت وبدأت تكتب بقناعة كاملة لخدمة الاحتلال، وهناك طبقة متلونة تبطن التّصرف الخاطئ، وهناك فئة مناضلة تقبض على الجمر وهي التي تتعذب.”وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم”
ممارسو الخطيئة الوطنية
– إذاً هل على المثقف أن يتخذ موقفاً محدداً مما يجري، وألّا ينأى بنفسه عن القضية الوطنية؟ يجيب فحماوي:
– أنا أقول إنّ النّفط تعفر على وجوهنا فأعمانا، والكتابة موقف، لكن للأسف صار هناك كتّاب مرتزقة ..ميلي ما مال الهوى..، نحن نعيش على هذا الوطن، الوطن يحملنا ويجب أن نقدّسه وألّا نفكّر بغير حبّه وحمايته والتفاني في الدفاع عنه، علينا مواجهتهم بتوحيد المُقسّم وليس بتقسيم المقسم، أنا لست حزبياً لكن تراب الوطن هذا هو حزبي ومحبة الناس واحترامهم هي حزبي، فالكاتب غير الملتزم بالوطن والمواطن هو قشرة على سطح الأدب.والأصح قشرة على سطح الوطن..
لاشك في أنّه يجب أن يكون هناك خيال ورومانسية وإغراء وجمال في الكتابة لكن يجب أن يكون الفكر الوطني هو البوصلة التي لابوصلة غيرها.
* س- في ظلّ مشاغل الحياة وهمومها ومغرياتها، وتراجع الهم الوطني لدى البعض إلى آخر قائمة الأولويات، هل يُقدّر هذا الجيل وأجيال لاحقة أدب المقاومة أم لا؟؟ يجيب فحماوي:
– بالطبع سيقدّر، كيف لنا أنّ نرى هذا الشّهيد وهو يقدّم روحه فداءً للوطن بينما لا ننحني أمامه أو نحبّه ونقدّره، ولكن الإعلام-حسب قوله- قد يزوِّر الحقائق ويقلبها لكن في النّهاية النّاس سيعرفون الحقيقة.

شارك على
Comments (0)
Add Comment