رواية مارخدر ..فنتازية السرد، ونورانية الرؤية.
(العثور على عصا نورانية تربط الجميع)
رواية مارخدر: للكاتب عمر الصايم
قراءة: عمر أرباب
مدخل
الولوج لعالم عمر الصايم السردي لا يكون ولا يكتمل إلا بقبض أذرع الدهشة التي تتوزع على جميع أعماله الإبداعية ولما كان هذا الأمر غير ممكن الآن إذ أنني خلصت من قراءة رواية مارخدر كأول عمل أقرأه للكاتب، ومن باب الوفاء لهذه الرواية سأتحدث عن بعض ما احتوته الرواية من عوالم سردية ومشاهد تأسر القاريء وأجواء تجبرك على التوازي مع أحداثها وتدعودك لمواصلة القراءة وسبق خيالك لتصل لما يود أن يوصله لك النص.
أولا: العنوان مارخدر، مفتاح العمل الروائي ربما يتجلى في عنوانه إذ أنه العتبة الأولى لعالم النص، فهنا العنوان يجعلك تتوقف عنده كثيرا، لأنه لن يكشف لك عنه إلا بعد أن يجرفك في تيار السرد، وبعد معرفته تمسك جوانب من عوالم الحكي إن كنت تقرأ بوعي لا بعين الدهشة فقط، فالعنوان تلخيص لرؤية كونية وامتزاج اخوي لبناء صرح التسامح الإنساني، فكل الأديان هدفها الإنسان الحي على أسمى جمالاته، فهذا المزج او السبك للعنوان (مارجرجس- الخضر ) يؤكد الهم الإنساني والنظرة العميقة والمتسامحة لعيش الحياة برؤية منفتحة تقصي المتطرف وتحتفي بالمتسامح، ولا تختفى رمزية اسم الرواية لكل من يعرف مارجرجس والخضر وما يمثلانه ويؤسطرانه لاتبعاهما.
[ والغريب بأن الاسمين قد يحملان نفس الشخصية او صفاتها، بل هناك بعض الكنائس والمساجد حملت الاسمين معا، فكنيسة مارجرجس في بيروت حولت إلى مسجد الخضر في عهد علي باشا عام 1661م.
والغريب أن الاسمين قد يحملان نفس الشخصية او صفاتها، في الديانات الكبرى (اليهودية والمسيحية والإسلام) وحتى الدرزية تعتبر الخضر مثلا نبيا.
لذا أرى الكاتب قد وفق أيما توفيق في اختيار العنوان.
#فصول الرواية ……مرآة الدهشة اقصد بفصول الرواية هنا عناوين الفصول، فهي جاءت كالآتي:
1/ حفيف أجنحة الصخور.
2/ طريق النهر ..أحذية الشوك.
3/ أحلام على سطح مقبرة جماعية.
4/ هوامش لمتن غائب.
فانتازية وجمالية سحرها تقبض عليك من عناوين فصولها، ومن هنا تبدو الدهشة في سمنتة اللغة وعزفها في سيمفونية جمالية تزيد نشوة الحكي لتخرج أجمل ما تصله مخيلة الكاتب من إبداع، ففرادة التعابير والتجديد على مستوى المفردة وتسطريها أجنحة للخيال تعكس مقدرة الكاتب السردية والإبداعية وتملكه لأدواته بصورة تجعل منه متحكما في مسار الحكي وموظفا واعيا لتفاصيل سرده ليخدم النص بعضه بعضا مفردة وتخييلا.
فمنذ حفيف أجنحة الصخور التي تبدأ رحلة الحكي الفتنتازية إلى هوامش لمتن غائب التي تعكس فراغا يود الكاتب أن يملأه برؤية لصالح الانسانية والخير والجمال.
#بداية الرواية
(الأرض تحتفي بالوجوه المحروقة، الأحجار تخبيء الذهب والعشب وترتسم خطواتي على صفحة النهر، ضوء ابتسامتي يشع في محفة الريح، من أكون؟) هذا المدخل يجسد عوالم السرد المدهشة، ويفتح عوالم الحكي ليقول لك من البداية حلق معي لنصل إلى ما نريد مع العلم بأنني لا أضمن لك سلاسة العبور ولا واحة السلامة، فسليل الفجيعة القديمة لا يأمن بوائق الزمان ليهديك صك الأمان، لكن أبدية المحبة تكون ما نزعت الشوك عن الطريق وجعلت هوامشك بروعة المتون.
#لغة السرد: لغة رصينة وعذبة ورفيعة جدا، واعجتني سلامة اللغة وسلاسة التعبير، وهذا يعكس ريادة الكاتب وتمكنه من لغته، وهذا مما يحمد ويحسب لكاتبنا.
والأمر الآخر استخدام المونولوج الداخلي ساهم بصورة واضحة في رسم الشخصيات ويسر تقديمها للقاريء، وتناوب الحكي جعل الفضاء الزماني والمكاني متحركين مما زادا من شغف الاكتشاف ومساحة الدهشة، وتصعيد النفس السردي لكن بصورة متوازنة خدمت رؤية النص العميقة للرسالة التي يود تبليغها.
#رسالة النص
إذا كان لا بد للعمل الأدبي من رسالة عليه إيصالها، ففي رأيي الشخصي رسالة هذا العمل تتلخص في هذه الجمل المنتقاة وفي خاتمته، (لو أننا قبلنا ببعض وتجاورنا، …..أريتم شجرة الدوم تقف وحيدة في غابة من السنط، هل تحتاج الدومة لأن تبدل شكلها) (يجب أن نقنع الناس بالتجاور في الحياة، لكل دينه ولونه ونصيبه من الأرض) (حلم العالم ناس تتسالم والبني آدم صافي النية).
وما يرمي إليه النص لا يخفى على القاريء الذي يقرأه على مستوى الوعي، فرسالة النص كما تأتي في لغة حوارية مباشرة، تأتي كذلك في رمزية تختفى وراء الكلمات والتعابير وهي تلتقيك من عنوان الرواية.
#شخصيات الرواية
رسمت الشخصيات بعناية كبيرة، وفي اعتقادي بأن الشخصية المحورية هي مارخدر (رسالة النص)، ثم تأتي بقيات الشخصيات التي تعكس سحرية وواقعية الرواية، فمن بخيت ود الموية الذي يرمز للنماء والاخضرار والتناغم مع الحياة، إلى تاسي التي تعكس الحياة في حدها الجمالي الأعلى ومن ثم أمها التي ترمز الى استخدام السلطة والسيطرة وصنع الاحابيل، ثم مدثر الفقير المأذوم والحالم بالتغيير وصديقه ستيفانيوس ضحية واقع اجتماعي غير سوي ثم هادم عنيف لواقع دفعه لذلك، وسارا فتاة الوعي التي تصادرها شروط الواقع التي لم تصمد لتغييرها، وكابلا الفتاة التي ربما كانت أكثر واقعية لكن واقعها صرعها رغم واقعيتها، وقبريال الذي ضاق به الوطن واتسع له ترابه وآدم ومرتضى اللذان جرفهما تيارا الغربة عن الوطن والغربة داخل الوطن.
خاتمة الرواية
سأختار اخر مقطع من الرواية لأنه يعكس مانفستو او كوجيتو الرواية إن صح التعبير (سنمضي سويا، أنا وأنت، تاسي، مارخدر، وكابلا، ..و… سنمضي في أرض واحدة بزمن متصل، ومحبة أبدية) هنا جمالية الرسالة وذكاء الحكي وتلخيص لما يرمي إليه قلم الأستاذ الصايم ليقول لنا بالمحبة وحدها تكون الأرض عامرة والزمن متصل الجمالات وترسم الإنسانية طريق خلودها ما دوزنت شرايينها ألطاف المحبة وطاقات التسامح.