خلل الأوطان في رواية شارع جوبا

 

خلل الأوطان في رواية شارع جوبا

بقلم الروائي/ محمد الأمين مصطفى

بدأت الرواية بوصف ورسم حسي وصوري بديعين لشارع جوبا الذي يقع أقصى جنوب الخرطوم سابقاً وفي وسط نطاق أحياء المعمورة وأركويت.. ووصف الكاتب معالمه الباهتة والمتناثرة في فترة التسعينات قبل إكتماله وإزدحامه الحالي.. وجاء الرسم السردي لحركة الناس في الشارع مكسوة بالشحوب والتوهان أمام وداخل متاجره وبين أزقته المتفرعة منه.. وهنالك إيحاء خفي يحسه القارئ عند وصفه للإنسان في الشارع بأنه مُتعدد السحنات.. وكأننا موعودون بنزاع محتدم تتسبب به ألوان البشر والمكون النوعي المعروف في السودان .. وما شارع جوبا إلا نموذجاً حياً لكل بقاع السودان.. ليطلق الكاتب صرخته الخفية.. ولكنها مدوية.. لتقول بأن هذا ما كان يؤلمنا .. ويشير إلى شارع جوبا بأن ما سيحدث هنا هو ذاته ما سيؤلمنا .

وكان التوثيق أيضاً لفترة هامة من أيام نظام الإنقاذ التى كانت من معالمه الأساسية عربة الخدمة الإلزامية التي تطوف وتقتلع الصبيان اقتلاعاً من البيوت والشوارع دون أي إجراءات إجتماعية أو علمية.. وتمثل ذلك في قفز طلال بطل الرواية.. وصديقه طيفور.. وتوهانهم في حي العمارات هروباً.. ليخفيهم ذلك الجنوبي المسيحي الذي اواهم واطعمهم في ورشةٍ متواضعة.. وفي هذه إشارة ودلالة إلى الكثير من المعاني.. فالمقبوضين كما هو معروف.. يدربوا قسراً.. ويشحنوا بالطائرات.. ويلقوا بهم في غياهب الحروب العنصرية في جنوب البلاد.. والتي طحنت الملايين من السودانيين بإسم الدين وبإسم الجهاد.. وكأن هذا الجنوبي المسيحي يحمي ارضه بمساعدة طلال وصديقه .

وما بين روان التاج .. وطلحة الجلك.. وليالي القاهرة التائهة.. فتلك العاصمة لا رحمة لها.. فهي زاهية ووضيئة وحسناء بديعة لذي المال والسلطة والقوة.. وقاسية وظالمة للفقير والمظلوم وضعاف الأيدي وفاقدي السند.. وأعني هنا الوافدين والطلاب والسياح.. وأمثلة المعاناة فيها كثيرة وعديدة.. وقد جسد المبدع بهنس رحمه الله تلك القسوة وذلك الظلم الإنساني الذي أودي به مكوماً وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة في شتاء القاهرة القارس وبين الناس وهم ينظرون.. وطاف الكاتب بعين وجسد بطله طلال ما بين القاهرة وبيروت.. فأبان وسط سرده الحواري المعاني الحسية التي شعر بها وأفرط في إبداع وصفها .

ثم يأتي الكاتب إلى نقطة الوجع الأساسية التي أعتقد أنه من أجلها خط حروفه وموسقها في رواية.. وهو صراعات النخب السياسية عبر التاريخ الحديث.. إبتداءً من تفرق الناس في بطونٍ وأطياف وقبائل.. واصفاً ذلك بتعبيرٍ جميل ذكره طلال في إحدى حواراته.. (لم نجد وعاءاً يجمعنا).. وصاح صلاح التنقاري بالشكوى من الديمقراطية الكئيبة الكسيحة التي لم تتحقق يوماً في السودان.. ولم تقم إلى الآن على اساس فكري.. بل ارتمى صانعوها ومثقفوها وصناديدها في احضان الطائفية والقبلية والأمثلة كثيرة في ذلك.. ثم انتقل الكاتب الى القضية العربية التي عمقت الصراعات الدول مع بعضها البعض بالحروب القبلية المنتشرة من الشرق إلى الغرب.. ليختم ذلك الفصل بموت طلحة الجلك الذي القى بجسده تحت عجلات المترو بعد ان شرب خمرة رديئة.. وشرب سيجارة بين أسنانه الصفراء.. وكان هذا تعبيراً عن مرحلة ما قبل غياب شمس كل مكدود ومظلوم ومنهك من السياسات التي تمارس في بلداننا العربية .

وما حادثة اللاجئين الشهيرة في بيروت التي أفضت الى ضرب اللاجئين الذين كان معظمهم من السودانيين وربط ذلك بإشارة واضحة مع حادثة أخرى سجلها التاريخ عندما رفضت لبنان إنضمام السودان الى حظيرة جامعة الدول العربية.. وهذا يؤكد ما يريد الكاتب أن يقوله.. وهو أن ازمة الوطن العربي عبارة ازمة الوان وسحنات وقبائل.. وأفضى تسلسل الأحداث بتلك المعطيات الثوابت.. إلى احداث عام ٢٠١٣ .. وإلى التضارب المتعمد في النهج الاعلامي الذي سلكه جهاز الاعلام الحكومي ويسلكه كل إعلام شمولي.. بايعاذٍ يؤكد للملأ أن من تم قتلهم بالرصاص الحي ماهم الا مخربون وسارقون .. وجاءت إفرازات كل ذلك لتتسبب في إنهيار مجتمعي عنوانه الإنتهازية لدي الكثيرين الذين يعتبرون أن النظم الجائرة عبارة عن حديقة مليئة بالثمار.. والمستفيد منها أكثرهم خفة وسرعة في تسلق الأشجار لقطف تلك الثمار.. وكل من يتردّد ويتأخر سيجدها صعيداً زلقا.. تمثل ذلك في لقاء بطل الرواية طلال مع صديقه طيفور الذي صار رئيسا لتحرير صحيفة ما وراء الخبر والذي صار بوقاً للنظام ومؤيداً للجرائم المتوالية التي يرتكبها.. وقد ساعده في الوصول الى هذا المستنقع ظروف اجتماعية وعرة بطلتها والدته القوية .

لم يكن هنالك تأكيداً صريحاً لوصول الظلم مداه.. والفساد منتهاه.. إلا بعد أن أعاد الكاتب بطله طلال إلى السودان.. بعد توهان خارج حدود البلاد ليدخل في توهان ودوامة أخرى.. فكان شارع جوبا هو الوطن مصغراً.. وكان الوطن هو شارع جوبا مكبراً.. وجسد مطعم العم عوض بابور ذلك الجسد الوطني الذي حوى أبطال الرواية طلال وصمويل واستير وسامي وشريف وعوض بابور.. حيث إنصهرت بداخله الألوان والسحنات.. ذلك الجسد الذي بدأ يئن ويصرخ بعد أن ضاق الناس بالناس.. وضاقت الأشياء بالأشياء.. وبدأ جنون النظام.. وتم انتهاك المطعم من قبل القوات الأمنية البربرية وضرب الزبائن ودلق الأكل عليهم.. وكان لظهر صمويل الور عامل المطعم النصيب الأكبر من السياط.. فقال بعدها قولته العميقة الدلالات.. (اخي عوض.. اظن أنه لا بد من الرحيل إلى الجنوب.. ها أنذا اغادر وظيفتي النهارية في هيئة المياة.. ووظيفتي الليلية في المطعم).. وكان قد أجزم لهم وأكد مراراً بأن الجنوب لم يطلب الإنفصال او تكوين دولة منذ أن أوجد الله هذا الهجين السوداني الدفاق الذي يجري من منابعه إلى مصبه ومن بحره إلى غربه.. فسطرت الأقدار نهاية الحكم ببداية التظاهرات والمواكب والزغاريد.. وسالت الدماء روية هنا وهناك.. وإندمج الشباب والشابات كالهواء والماء.. في أي طريق تجدهم.. فعمت اخبارهم العالم بأسره.. واندمج طلال وشريف ميرغني وسامر الدرديري مع ملح الأرض.. وأحتفت ببطولاتهم مواقع التواصل الاجتماعي لينتشروا في العالم بأسرة.. وكان ختامها الطلقة التي إخترقت راس شريف في موكب بري.. ليتم دفنه في مقابر الصحافة.. وعند سيول وتظاهرات الموكب التالي في أبوجنزير.. تكرر ذلك المشهد الذي كان في أول الرواية.. فقد لمح طلال ذلك الرجل الابنوسي الذي اواهم عند هروبهم من عربة المعسكر.. لم يتعرف عليه في بادئ الأمر.. فقد تغير وإمتلأ جسده.. ولكن الأبنوسي لم ينس طلال.. فذكره به.. حتى أن طلال لم يسأله عن اسمه قبل أن يختفي وسط الجموع الهادرة.. وكأن الكاتب يريد أن يذكرنا بأن جسد الوطن المبتور لا بد من عودته مجدداً.. مهما طال الزمان.. ومهما تعاظمت الأمور .

وفي الختام أستطيع أقول أن رواية شارع جوبا للكاتب المتميز صلاح التنقاري قد شكلت لنا واقعاً مكانياً بأحداثٍ حية تراءت أمام أعيننا.. وبلا شك أنها ستوثق لفترة هامة من تاريخ السودان الحديث.. وقد تميزت الرواية أيضاً بلغةٍ عالية.. ووصفٍ تشريحي للمشاهد والأحداث.. وبما أن شارع جوبا تعتبر أول رواية له.. فنحن موعودون إذاً بمستوى أفضل وأكثر إمتيازاً في رواياته القادمة .

شارك على
Comments (0)
Add Comment