تسويق الإسلام .. بقلم : د. هاشم غرايبه

تسويق الإسلام .. بقلم : د. هاشم غرايبه

منذ بداية القرن العشرين، انتشرت بين المسلمين فكرة أن الغرب لا يفهم الإسلام على حقيقته، وأن غير المسلمين لديهم فكرة خاطئة بأنه دين العنف والقتل، فيما يرون المعتقدات الأخرى رحيمة متسامحة، وأن ذلك عائد الى ممارسات المسلمين أنفسهم، الذين يعززون هذه الصورة بأفعالهم الإرهابية.

الغريب أن هذه الفكرة صدقها كثيرون رغم سخفها، فقد تَصدُقُ في حق أفراد محددين ثقافتهم ضئيلة، لكن لا يمكن أن تصبح معتقدا عاما لشعوب وأمم بأكملها، فلا يوجد في هذا العصر أمة يمكن أن تسميها جاهلة أو مغفلة، لذا فهذه مقولة خادعة لتبرير تعصب أقوام وأمم ضد منهج الله، ونشر هذا التعصب بهدف تكوين جدار عازل من الحقد يمنع انتشار هذا الفكر في مجتمعاتهم.

الطريف أن أحدا في الغرب لا يتبنى هذه الفكرة، إنها منتشرة عندنا فقط، ومن يتبناها ويروج لها فئتان:

الأولى: الأنظمة العربية التي أوكل إليها الغرب مهمة ترويض الدين وتحويله الى مجرد طقوس تعبدية فردية، لا تتدخل في النظام الاجتماعي – الاقتصادي للمجتمعات ولا في سلوك الأفراد، على غرار ما تم في الكاثوليكية. ولتبعية هذه الأنظمة للمستعمر، فهي تحاول دائما إيجاد المبرر لأفعاله الظالمة بحق المجتمعات المسلمة، بإلقاء اللوم على المسلمين وليس على الظالم الفاجر.

الثانية: فئة المنشقين عن عقيدة الأمة، عن نفاق وإرصاد بالدين، ومعهم بعض أنصاف المثقفين من المبهورين بتقدم الغرب، واعتقادهم أن ذلك يعود لتحييده المعتقد الديني، ولا يعلمون أنه ليس هنالك دين في الغرب بمعنى المنهج والتشريع، فقد حولت كنيسة روما المعتقد المسيحي مبكرا الى مجرد ثقافة ومعتقدات فردية، وجاءت العلمانية للقضاء على نفوذ رجال الكنيسة، حينما تحولت الإقطاعية الزراعية الى الرأسمالية الصناعية، فمولت الملحدين من الفلاسفة والمفكرين لوضع الأسس للعلمانية لاعتبارها ضرورة لازمة للتحرر والتقدم العلمي.

لذلك فقد نشطت هاتان الفئتان خلال العقدين الأخيرين لتعزيز فكرة أن الإسلام دين السيف، وبجب تنقيته من العنف الذي يخالطه، ثم تقديمه الى العالم على أنه مسالم وديع لكي يقبل بوجوده.

الطريف أن هاتين الفئتين معرضتان عن الإسلام أصلا، وهم لا يتبنونه ولا يريدونه إلا كطقوس تراثية، ولا يقبلون به إلا إن تخلى عن دوره في تنظيم حياة المجتمعات، لأنهم لا يفهمون منهجه ولا يريدون فهمه، كونه يتناقض مع مصالحهم ويحد من انسياقهم وراء متعهم وشهواتهم، فكيف يؤتمن هؤلاء على شرحه وتوضيح حقيقته للآخرين؟.

هكذا نتوصل إلى أن الأمر كله خدعة، بهدف تبرير أفعال الحاقدين.

الجاهلون من الغرب هم العامة، فهم يساقون حسبما يوجهون إليه من قبل الإعلام، والإعلام ليس موضوعيا البتة، فمن يتحكم به القوى المتنفذة، وهي تحالف المال والسياسة، والأدوات هي المثقفون والمفكرون والتقنيات الحديثة، وهؤلاء ليسوا جهلة، بل يعرفون ما يفعلون، ويعلمون عن الدين الإسلامي أكثر مما يعرفه علماء المسلمين، ويفهمون معاني القرآن الكريم ويدققون فيها أكثر مما يفعله المؤمنون به، ليس بدافع البحث المعرفي، بل بهدف التنقيب عن أي تناقض أو ثغرة ينفذون منها، ولو وجدوا شيئا من ذلك، ما تأخروا عن إعلانه واتخاذه حجة لرفضه، لكن لأن آمالهم بذلك خابت، فيلجؤون الى العداء السافر، والرفض العدمي، لأنه يعوزهم المنطق، فإن كانوا يعترفون بأن الله أرسل موسى وعيسى عليهما السلام، فلماذا لا يعترفون بأنه أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم!؟.

لذلك يلجؤون للتنفيس عن غيظهم بمهاجمة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، واستخدام تقنياتهم الفنية والعلمية في نشر الإساءات البذيئة بحقه، وهم أعلم من المسلمين بأنها افتراء.

هؤلاء الحاقدون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسالته، هم التحالف ذاته منذ القدم: اليهود والمشركون، لكن السماعين لهم كثر، وهم: القطعان البشرية الأوروبية التي استحمرتها الرأسمالية المتوحشة، والمنافقين من بني أمتنا.

ذلك لا يعني اليأس والانكفاء على الذات، فهؤلاء المُضلون أو الضالون، على المسلم أن يصدع بما كلفه به الله، فيواصل دعوتهم لمنهج الله بالحسنى، وبأن يكون قدوة حسنة بما أنعم الله عليه من أخلاق الإسلام، والله يهدي منهم من يشاء الهداية، ومن أصر على الضلالة، فقد أقيمت عليه الحجة، واستحق غضب الله تعالى.

شارك على
Comments (0)
Add Comment