تأملات قرآنية …. بقلم: د. هاشم غرايبه
يقول تعالى في الآية 70 من سورة الإسراء:” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا “.
عندما يكتشف العلماء أمرا سبق ذكره في القرآن، ويقول المؤمنون: هذا جاء به كتاب الله قبل خمسة عشر قرنا، كثيرا ما يتهكم معادو منهج الله عليهم، فيتساءل هؤلاء الساخرين: هلا جئتم بعلم من القرآن قبل أن يكتشفه العلم؟.
وأنا أجيب هنالك الكثير لم يأن أوانه مثل علامات الساعة المعروفة: الدخان والسماء الحمراء والبحر المسجور ..الخ.
وأمور الغيبيات التي لن يتاح الوقت للإنسان المكذب بها لمعرفتها إلا بعد فوات الأوان، مثل البعث والحساب والملائكة والجنة والنار.. الخ.
وأما ما هو حاضر ووجده العلماء بعد قرون من زمن التنزيل مطابقا لما ورد، فهو كثير ومعروف ويبينه أوجه الاعجاز العلمي للقرآن البينة الواضحة.
والتي لم تكتشف بعد، أورد منها واحدة، وهي دلائل وجود كائنات عاقلة في الكون غير البشر، وأذكر اربعاً منها:
1 – وأولها في قوله تعالى في هذه الآية (مِمَّنْ)، والتي تستعمل في الإشارة الى العاقل، ولم يقل (مما) التي تشير الى غير العاقل، والعاقل في حدود علمنا هو الإنسان، وكل ما عداه من مخلوقات حية أو جمادات يعامل لغويا في صنف غير العاقل، فهل هنالك من مخلوقات عاقلة أخرى غير البشر من بني آدم؟.
والدليل على قطعية دلالة (من) بدلا من (ما)، هي القصة المشهورة التي حدثت عند نزول الآية :”إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ” [الأنبياء:98]، فقد فرح بعض علماء اليهود إذ اعتقدوا أنهم وجدوا مطعنا في القرآن الكريم، وجاءوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلين: “النصارى يعتقدون بألوهية المسيح ويعبدونه.. فهل المسيح من حصب جهنم أيضا!؟”، فأجابهم: “ما أجهلكم بلغة قومكم! ..ألا تعلمون أن (ما) تعني غير العاقل..؟!”.
وبما أن كلام الله تعالى ليس ككلام البشر، فهو لا يضل ولا ينسى، لذا ففي التفسير ندقق على جزئيات اللغة لكي نفهم المراد والغاية.
حسب علمنا وما علمناه من القرآن، فالمخلوقات الظاهرة لنا في الدنيا جميعها من صنف غير العاقل، أما الخفية علينا فهي ثلاثة: الملائكة والجان والشياطين، والتي لا يمكننا رؤيتها ولا معرفة هيئتها، وما أعلمنا الله عنها الا القليل، فلا يمكننا الحكم أنها تنتمي الى صنف العاقل.
لكن حتى لو كانت كذلك، فقد أتت كلمة (كثير) لكي تتجاوز ذلك، لأن العدد لغويا يعامل كالتالي: الواحد مفرد، والاثنان مثنى، والعدد من ثلاثة الى تسعة يقال لهم (بضعة)، و(كثير) تقال لما زاد عن ذلك، فلو كان المقصد هي تلك المخلوقات الثلاث لما قال تعالى (كثير).
إذاً فلا شك أن هنالك مخلوقات أخرى عاقلة في هذا الكون غير الإنسان.
2 – من ضمن المفردات التي جاء بها القرآن: “العالمين”، ولم يعرفها العرب قبلا، وهي من ألفاظ الجموع التي لا مفرد لها، مثل: الأنام والبشر، ففسرها المفسرون الأوائل على أنها تعني الجمع من البشر، لأن علمهم لم يدلهم على أن هنالك عوالم غير الأرض ولم نزد على قولهم منذئذ، مع أن علينا أن نتساءل: لماذا يورد الله دائما أنه رب العالمين وليس رب العالم.
3 – كما نقرأ قوله تعالى في الآية 29 من سورة الشورى: “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ” والتي فسروها بأنها تتناول الدواب التي تدب على الأرض، مع أنه تعالى قال (فيهما) بالمثنى، فلو قصد الأرض فقط لقال (فيها).
4 – وفي الآية 25 من سورة النمل: “الا يَسْجُدُوا للهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْض”، وفسروا الخبء بأنه الجنين في البذرة إذ يخرج نباتا، لقد عرفناه في الأرض، فما هو الذي في السموات؟ ألا يدل ذلك على وجود حياة نباتية في غير الأرض؟.
مما سبق نستدل على وجود حياة أخرى خارج العالم الذي نعرفه (الأرض)، وهذه المعرفة سواء تحققت للبشر شهوديا أم لا، سنظل نقول إنها معرفة من جملة معارف كثيرة، أنبأنا بها كتاب الله، نؤمن بها يقينا ولو لم نرها بعد.