تأملات قرآنية … بقلم: د. هاشم غرايبه
يردد كثير من الناس عبارة “إنا لله وإنا إليه راجعون”، والتي هي مقتطعة من سياق الآية (156) من سورة البقرة من غير أن يتمعنوا في معناها، بل الغالبية من عامة المسلمين يعتقدونها عبارة لا تقال إلا للتعزية ولمواساة المصاب بفقد عزيز عليه.
جاء في السياق قوله تعالى:” وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ”.
لكي نفهم معنى (إنا لله)، يفيدنا أن نستذكر قوله تعالى في سورة التوبة: “إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ”، فنستخلص من الآيتين ما يلي:
أولا: لتقريب الصورة الى أفهام الناس، فقد شبه الله تعالى علاقته بالمؤمن بتجارة فيها مقايضة، ولم يوردها بصورة الأمر المفروض الذي يحكم علاقة المعبود بالعبد، وذلك لأن للتجارة خاصيتين لازمتين: أولاهما اشتراط الرضا والقبول بين الطرفين أولا، وثانيهما قناعة البائع بانعدام الغبن والمشترى بالحاجة للبضاعة أو تحقيق المنفعة.
ثانيا: لم تذكر الآية عموم البشر مع أنهم جميعا عباد الله، بل المؤمنين فقط، لأنهم يعلمون أن حياتهم ورزقهم جميعها أصلا بيد الله، وقد وهبها لهم مجاناً، فليس في إعادة الهبة لمن وهب خسارة، مثل المؤمن في ذلك كالإبن البار، إن طلب منه والداه معروفا يبذله لهما عن طيب خاطر، كون ذلك جزءاً بسيطاً مما تفضلا به عليه، لكنهما لن يطلبا ذلك من الإبن العاق، لأنه سيبخل حتما كونه لا يُقدّر فضلهما عليه.
ثالثا: شرط الرضا من قبل المؤمن في هذا البيع متحقق من أمرين: أولهما أن طالب البضاعة ذو فضل عليه عظيم، لذلك يسعده نيل رضاه، وثانيهما أن البدل الموعود به قيّمٌ ويفضُلُ البضاعة المطلوبة كثيراً، وهو الجنة، والتي هي النعيم الأبدي، فنعيم الدنيا مهما عَظًم لا قيمة له مقابل نعيم الأخرة، لأن أية قيمة إن نسبت الى اللانهاية تؤول الى الصفر.
رابعا: ما يجعل البائع (المؤمن) موقناً بربحه من هذا البيع أن المشتري (الله جل جلاله)، ليس بحاجة الى البضاعة، فهو يملك خلق ما يشاء من مثلها أو إفناءها، وما طلب شراءها إلا بهدف مكافأة البائع، لكن يرضيه مجرد صدق نية البائع واستجابته، فذلك مثل الوالد الذي ينفق على ابنائه الكثير، لكن تفرحه تقدمة بسيطة من طفله، رغم أنها أصلا مما أعطاه إياه.
خامسا: نصل الى أن البائع متى ما وافق على البيع، فتصبح البضاعة (النفس والمال) تحت تصرف المشتري، لذلك يقول: إنا لله، أي أنفسنا مملوكة لله تعالى فلا نعترض على تصرفه فيها، فهو إن شاء قبضها وإن شاء أرسلها، وهو إن قبضها إليه فذلك حق لا اعتراض عليه لأنه رجوع الى المالك.
سادسا وأخيرا: الموت يعتبر في نظر غير المؤمن مصيبة، لأنه فقدان لما يعرفه من زخرف الحياة الدنيا ونعيمها، وانتقال الى المجهول الذي ينخلع قلبه رعبا من خشية سوء عاقبته، لكنه في نظر المؤمن الذي باع دنياه (حياته وماله)، مجرد رحلة لقبض الثمن الموعود:” بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ”، وهو موقن أنها موطنه الأصلي (كونه من ذرية آدم)، وبموته يكون قد عاد إليها، وما حياته في الأرض إلا مؤقتة، كمن يسكن بيتا مستأجرا، لأنه عند خروجه من الدنيا لا يأخذ معه من متاعها شيء، بل يخرج منها كما دخلها عاريا وخالي الوفاض، فهي بكل زخرفها ونعيمها مجرد عارية مستردة.
لذلك فإن الله الذي اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، بالرضا والقبول، قد يستوفي بضاعته في أي وقت، أو يمتحن صدق البائع بابتلائه بأخذ شيء من الأموال أو الأنفس، ليعرف الصادق منهم، وإمارة صدقه هي الصبر والتسليم، فلا يجزع بل يحتسب ذلك عند الله، فلا يقول إلا إنا لله وإنا إليه راجعون، وعندها يثيبه الله أكثر.
أما الكافرون، فمن سخط الله عليهم أنه لم يعرض عليهم هذه الصفقة، ولن يسألهم أنفسهم لأنها بيده، سيستوفيها متى شاء..لكن الفارق هائل بينهم وبين المؤمنين في المآل، وشتان بين سيكون مأواه في الجنة ومن مأواه جهنم.