تأملات قرآنية … بقلم: د. هاشم غرايبه
يقول تعالى في الآية 19 من سورة الملك: “أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ”
أكثر ما يثير سخرية العوام جهل العلماء، فعندما يتبجح بعض المتعالين في علمهم بأنهم لا يقبلون تفسيرا غيبيا لأنهم ينتهجون المنهج العلمي في تفكيرهم، تحترم وجهة نظرهم، لكنهم يسقطون حينما تراهم يتقبلون تفسيرا أكثر غيبية، وهو المبني على فرضية (أمنا الطبيعة mother nature:) التي تعني أنه ليس من خالق بل كل شيء وُجِد صدفة، ثم طور ذلك الشيء نفسه بنفسه.
سيسقط ذلك العالِم في فخ الجهل عندما تسأله كيف تقبلت هذه الفكرة من غير وجود دليل واحد على صحة الفرضية، فيما أقل ما يطلبه منك ليتقبل التفسير الديني للوجود أن يرى الله جهرة.
لذلك يمكننا أن نسمي هذه الحالة بمسمى: “الجاهلية العلمية”.
يستعمل أولئك المصابون بعاهة الجاهلية العلمية أسلوب “غوبلز” لتعميم فرضيتهم البائسة، ويتمثل بتكرار المعلومة المزيفة بطريقة خلط الحق بالباطل، وبأوجه مختلفة حتى يصدقها الناس، منها إعداد برامج ثقافية ووثائقية مشوقة بما تحتويه من معلومات قيمة، وأكثر ما يبهرك فيها التقنيات المتقدمة في فن الرسم والتصوير والمزج وكافة مستلزمات الإخراج الراقي، فتتساءل عمن يسدد هذه الكلف العالية؟..وهل حقيقة أن القضية تجارية محضة ومربحة؟.. أم هناك من يُموّل ويرعى؟!!.
أحد هذه البرامج كان يتحدث عن الطيران وجهود الإنسان لمحاكاة الطيور، فكانت المعلومة المدهشة أن كل ما حققه الإنسان في هذا الشأن بما فيه غزو الفضاء، لا يصل في كماله الى عشر معشار ما حققه الطير، وبحسب فكرتهم فإن الطيور وحتى الحشرات طورت قدراتها (بذاتها) حتى حققت أعلى درجة من الكمال، بحيث أن أكثر أفكار البشر جموحا وأبعدها خيالا، لا يمكن أن تقترح نموذجا أكثر ابداعا مما حققه العصفور!.
طبعا نقطة الضعف القاتلة في فكرة تطوير العصفور نفسه وتحويره لجسده، تبدأ من السؤال: متى تم ذلك؟ فإن كان ذلك قام به العصفور (الأولّ) ثم أورثه لذريته، فكم قرنا بلغ عمره لكي ينجز ذلك؟.
وإن كان ثمرة جهد جماعي، فكيف نسقت فيما بينها وتبادلت الرأي حتى اتفقت على ما يلزمها؟.
وإن كانت عبر أجيال، فكيف كانت تتناقل المعرفة والخبرات وهي لا تملك معاهد بحثية ..بل لا تعرف الكتابة والقراءة!!؟، علما بأن المهارات تكتسب بالتدريب ولا تنتقل جينيا.
يتجاهل البرنامج كل ذلك، ويمضي معددا إبداعات العصفور التي وصلت الى قمة الكمال، فطيرانه يتم بتحريك الأجنحة، الأمر الذي فشل البشر – مع كل ما يتميزون به عن العصفور من عقل وعلم متناقل وأدوات بحث – في محاكاته فاعتمدوا على الأجنحة الثابتة.
ويتابع البرنامج تضليله بالقول أن تطوير الطير جسمه ليغدو مغزليا، يعد قمة الكمال في تخفيض مقاومة الهواء الى الحد الأدنى، ويتم تقليل الطاقة اللازمة لتحريك الجناحين المتواصل المرهق عن طريق تخفيض كثافة جسم الطائر الى سبعة أعشار كثافة الماء، بكسائه بالريش وتجويف عظامه، واستغنائه عن الأسنان بالمنقار لاختصار وزنها، كما تم الإستغناء عن الرحم،لأن الحمل يزيد في وزن الطائر فترة طويلة، فصار التكاثر بالبيض، كما جعل فتحة الإخراج والبول والبيض واحدة للإختصار.
أكثر ما أدهش الباحثين هي القدرة العالية على المناورة، والإنحراف بزاوية حادة خلال الطيران بسرعة عالية، لدرجة أنه لا يمكن أن يصطدم طائر بآخر ولا حتى بغصن شجرة، إذ وجدوا أن حركة عضلات الجناحين والذيل لا تخضع لدماغه بل تتم تلقائيا بتدبير من شيء مجهول لعقولهم المكابرة!
كل ما سبق لا يفسره إلا قوله تعالى” مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ”، وتعني الفطرة التي فطر الله كل مخلوق عليها، وهي جملة الأوامر المدمجة التي أودعها فيه لأداء مهمات محددة، “أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى” [طه:50]، فلا تحتاج تدريبا ولا تعليما، وتؤدى جميعها بكفاءة تامة، بغض النظر عن ذكائه أو جهله.
الجاهلية الأولى تمثلت فيمن أغلقوا عقولهم عن الهدى، لكن الجاهلية العلمية المعاصرة لا تقل عنها ظلامية، فعندما تعمى الأبصار عن كتاب الله، تنغلق العقول عل مقولات جوفاء من قبيل الفكرة الحمقاء: طورت نفسها!، التي تعني جهلا مطبقا لا يفسر، بل يغلق باب البحث.