تأملات قرآنية.. الآية 17 من سورة الأنفال
بقلم: د. هاشم غرايبه
يقول تعالى في الآية 17 من سورة الأنفال: “فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”.
اختلف المفسرون الأوائل في تأويل المقصود برمي الله الكافرين، فذهب بعضهم واستنادا الى أن الخطاب موجه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا ان مقصد الآية هو في رميه صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلاث حصيات باتجاه جيش المشركين قائلا شاهت الوجوه.
لكن آخرين أخذوا بالمعنى الأشمل لكل المقاتلين المؤمنين، وهو الأصح كون الجملة ابتدأت بخطاب الجمع (تَقْتُلُوهُمْ)، وانتهت بالجمع أيضا (الْمُؤْمِنِينَ)، لذلك فهي حكم عام لكل الأزمان، وليست محصورة في يوم بدر فقط.
قد تكون معركة الطوفان الحالية خير شاهد على ذلك، فقد كتب “داني ياتوم” رئيس الموساد السابق في صحيفة “ديعوت احرونوت”: “ما الذي يحدث ياترى!؟.. هل تخلى عنا رب موسى وهارون؟، فخر صناعاتنا دبابة الميركافا التي تكلف الواحدة 170 مليون دولار، وانفقت عليها هذه الكلفة الباهظة حتى لا تخترقها أقوى المقذوفات، نجدها دمرت واحترقت من قنبلة (ار بي جي)!… وصواريخهم وقذائفهم البدائية تصيب الأهداف بدقة رغم أنهم لا يملكون أقمارا صناعية ولا وسائل توجيه!.. لا شك أن هنالك قوة خفية تساعدهم”.
لم يكن “ياتوم” هذا هو الوحيد الذي توصل لهذا الاستنتاج، فقد شكى كثيرون من قادة وجنود العدو أنهم إنما يقاتلون أشباحا، بالطبع هم لا يقصدون جنودا غر مرئيين، فلا وجود للأشباح في عالم الحقيقة، بل ذلك للتعبير عن عدم القدرة على رصد المقاومين،لأن ظهورهم يكون فجأة واختفائهم بسرعة، والتي هي طبيعة حرب العصابات.
في حقيقة الأمر، بالتحليل المنطقي، وبسبب التباين الهائل في القوة والعدة والامكانات بنسبة 100 الى واحد، وبسبب الحصار المحكم للقطاع مما يعني انعدام المدد، وإن أضفنا لذلك تأييد أربعة أقطار عربية وهي المنخرطة في التحالف الرباعي للكيان اللقيط في القضاء على المقاومين، والتزام بقية الأقطار بعدم التدخل، فلم يكن محللو الغرب يتوقعون أن يصمد المقاومون الا بضعة أيام، وتنتهي المعركة بابادتهم أو استسلامهم.
لكن ما حدث كان العكس فالصمود الأسطوري رغم الدمار والقتل الهائلين، لم يحدث له مثيل في التاريخ البشري كله، وفوق ذك كله لم يتأثر مخزون الغذاء والعتاد والرجال، وقوة الرد بقيت، بل وفي تزايد، مقابل أن جسرا بحريا وجويا وبريا يمد عدوهم بلا انقطاع ولا يكاد يكفيهم.
هل من تفسير لذلك، حتى لمن لا يؤمن بالله، سوى أن هنالك قوة خفية لا قبل لأحد بمنعها، تمدهم تدعمهم وتحميهم؟.
هنا، وبعد ثبوت العجز عن التفسير المادي الذي لا يعترف بوجود خالق مهيمن، ندخل الى التفسير المنطقي الذي تبينه هذه الآية.
إن الله تعالى حينما خلق الطبيعة البشرية مختلفة عن باقي خلقه، أوجد فيها عنصر الشك والمحاججة بالمنطق، لكي يكون الإيمان به اختياريا، وبعد محاكمة عقلية منطقية يصبح يقينا، وذلك يوجب اختلافات بين الأفراد، ولما أنزل اليهم الهدى عبر أنبيائه تعزيزا للفطرة والعقل، مقابل سطوة الهوى والمصلحة الأنانية، علم أن أغلب البشر لن يقووا على مغالبة هذه السطوة، وسينشأ صراع بين الطرفين: من اختاروا الهدى ومن اختاروا الضلالة، وستكون الغلبة حتما للأغلبية القاهرة، لذلك تعهد بدعم المؤمنين به عندما يحيق بهم الخطر وجوديا رغم بذلهم قصارى جهدهم .
هذا الدعم لا يكون بابطال السنن الكونية، بل بتسخير بعض جنده لتجاوزها، ولما أنه تعالى أخبرنا أن كل ما في الكون جند له، كونهم مسخرين لأمره، لذلك فكل شيء ينفذ ما يريده.
وعليه فالسنة الإلهية الغالبة لكل السنن الكونية، هي أنه عندما يقاتل المؤمن في سبيل الله مخلصا لدينه ينصره، بغض النظر عن قوته أو ضعفه.
والوسائل المادية لتحقيق ذلك كثيرة، منها تسديد رميه، فتراه يرمي لكن رميه يصيب عدوه في مقتل، وترى عدوه يملك كل امكانيات إصابة الهدف لكن الرمية تطيش عن المقصود، فتصيب ما لم يكن يقصده الرامي، لأمر فيه قدر الله، وأنجى الله المقاتل.
نرى ذلك عيانا واضحا هذه الأيام، فذلك هو التأويل المعاصر للآية الكريمة.