الوصفة السحرية .. بقلم : د. هاشم غرايبه

الوصفة السحرية .. بقلم : د. هاشم غرايبه

السؤال المهم الذي يؤرق المهتمين بنهضة الأمة: كيف استطاع أتباع البوذية والشنتوية أن يرتقوا ببلادهم، ولم تُعِقْهُم المعتقدات الساذجة عن إعمال عقلهم في العلم والتقدم، فيما نحن أتباع المعتقدات المنطقية (الإسلام) ذي الأبعاد الأخلاقية والفلسفية والعلمية المعروفة، لم نستفد منها، فلم نتمكن من مجاراتهم إن لم نقل سبقهم!؟.

وكيف تمكن “لينين” من استخراج تطبيقات ونظام اجتماعي اقتصادي من أفكار ماركس غير الواقعية، والمجافية للفطرة البشرية في محاولتها إذابة الفرد في المجتمع فاقتنع بها جيل نهض ببلاده، ونجح لفترة من الزمن بالإرتقاء والتطور الهائل حتى غدت بلاده القطب الثاني في العالم.

بل كيف استطاع قادة الأمم الأوروبية أن يصلوا بشعوبهم الى المرتبة الأولى في العالم؟، رغم أن الرأسمالية ليست عقيدة، وليس لها مرتكزات أخلاقية، ولم يكن هنالك أي تأثير لما يسمونه (الثقافة المسيحية) في قوانينهم، لأنهم حولوها الى معتقد فردي وثقافة شخصية يُسخّرونها لأغراضهم ووفق مصالحهم.

بالتحليل المنطقي، نتوصل الى أنه مثلما لم يكن نجاح الفكرة الشيوعية في نهضة الروس ناجما عن انكارها لوجود الله أو إستبعاد دور الدين، بل بسبب إخلاص القادة الأوائل للفكرة، وتوفر الإرادة بإنجاحها كمخرج من واقع فاسد مغرق في الظلم، فإن نجاح الغرب لم يكن بسبب تحييد الدين، بل لتحول الإقطاعيين الزراعيين الى الرأسمالية التصنيعية، وبسبب التنافس بينهم على احتكار الأسواق، حدثت الثورة الصناعية.

فلغياب العقيدة الصحيحة الجامعة عند هذه الأمم لجأ القادة الى استنهاض الأنانيات المصلحية، فأشعلوا عزيمة شعوبهم، وأعلوا من شأن قيمة العمل والوقت، فنهضوا بهما كقيم بديلة.

فكيف بهم لو كانوا يمتلكون العقيدة الصحيحة الجامعة!؟.

لذا فلا عذر لمن يمتلكها ولا ينتفع بها، سيما وان التجربة الأولى لنهضة الأمة قبل خمسة عشر قرنا، أثبتت أنها كانت الرافعة الوحيدة لها، إذ استغرقت عشرين عاما حتى نقلتها من الحضيض الى القمة، ومعظم الجهد والوقت كان لنشر الدعوة وتثبيت أركان الدين، لذا فالنهضة القادمة بإذن الله ستختصر الزمن كثيرا، فالدين مستقر في وجدان الأمة، فما تحتاجه فقط هو التجديد، أي نفض غبار التاريخ عنه، واستعادة الأصول من منابعها.

مما سبق يمكن أن نستنتج الوصفة السحرية لحل مشكلة تخلفنا.

ما هو مطلوب لنهضة هذه الأمة هي العناصر الثلاثة التالية مجتمعة: المرتكز عقيدة تجمع عليها الأمة تحقق العدالة الإجتماعية + مفكرون مخلصون يصوغون الفكرة السياسية الإجتماعية الإقتصادية المشتقة من العقيدة أي المشروع النهضوي السياسي+ قادة مؤمنون بالمشروع يطبقونه كنظام حكم.

وبعبارة أوضح فعوامل قيام النهضة في مجتمعنا متحققة، وبضمانات نجاح أكثر، وبزخم أقوى بكثير من المجتمعات التي نهضت بلا تدين، فالإيمان سبيل الصلاح، والتقوى وسيلة الإنضباط به، وذلك يعزز ويرفع من قيمتي احترام العمل والوقت اللذان ينقصان مجتمعاتنا.

والعقيدة هي ركيزة هامة لوحدة الأمة، إذ حققت تطابقا في المفاهيم الإجتماعية والعادات والتقاليد بين كافة مكونات الأمة، مما كوّن ذخيرة ثقافية أخلاقية مترسخة.

إذن نحن على أبواب النهضة، وبشاراتها تؤكد اقترابها، فمثلما كانت غزوة الأحزاب آخر الحملات التي استهدفت النهضة الأولى، لكن نفعها أنها كشفت المنافقين فقطع دابرهم، فستكون الحملة الصليبية الأخيرة (الحرب على الإرهاب) بإذن الله هي الأخيرة، وكشفت المنافقين من بيننا الذين كانوا يأملون باستئصال شأفة الإسلام، لكن فألهم خاب إذ بات الناس أكثر تمسكا به.

فالعقيدة السليمة بين أيدينا جاهزة لأن نستخلص منها ما نحتاجه لهذه المرحلة، والمفكرون المخلصون لهذه الأمة وآمالها موجودون في كل مكان وزمان، لا نريد منهم شعارات مفرغة من المضمون مثل: الإسلام هو الحل وكفى، لكننا نريد مشروعا نهضويا من وحي الحاضر وبآمال المستقبل مرتكزه إسلامي، ببرنامج واقعي يستجيب لكل المشكلات والمتطلبات المعاصرة.

ومثلما فهم السلف الصالح متطلبات الواقع فكانت التجربة الراشدية، يجب أن نفهم متطلبات حاضرنا نحن وليس واقعهم، فنستلهم من تجربتهم ولا نستنسخها، ونتعلم من نجاحاتهم وأخطائهم ، ثم نعزم ونتوكل.

وعندها سيتحقق وعد الله تعالى: “وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ” [الحج:40].

شارك على
Comments (0)
Add Comment