النوباد المفترى عليهم …
بقلم الدكتور.. ناصر ساتي
هل النوباد فعلا وفدوا الى النيل في القرن الثالث الميلادي ؟
يستشهد البعض على وفود النوباد الى النيل بما ذكره بروكبيوس ( 545 م ) الذي قال ان النوباد استوطنوا في واحة الخارجة في القرن الثالث الميلادي عندما اقنعهم دقلديانوس ( 284 – 296 م ) الى الهجرة الى النيل ليحلوا محل الحاميات الرومانية المنسحبة الى الداخل المصري .
اولا هذا التاريخ يتضح انه غير صحيح اذا ما نظرنا لمعلومات تاريخية اخرى قدمها عدد من المؤرخين و منهم اراتوسثينس الذي تحدث عن وجود النوبة في مروي في القرن الثالث قبل الميلاد و حدد امتدادهم من مروي حتى منحنيات النيل .و هذا التاريخ اذا تمعنا فيه نجده اقدم حتى من ميلاد الحرف المروي .
معلومة اخرى ذكرها اراتوسثينس تقول انهم بالضفة اليسرى للنيل بليبيا . البعض هنا يتلاعب بمفهوم ليبيا و يبعد الوجود النوبي عن النيل ناسيا انه قال انهم يبدأون من مروي ! فأين تقع مروي ؟ و لكن اهم من ذلك فهو يوضح تعدادهم و يقول انهم عرق كبير و يقصد به عددهم و هذا يقودنا الى ان وجود النوباد في غرب النيل في الواحات ليس بغريب بل طبيعي اذا تمعنا في قراءة نص اراتوسثينس بل هذا يشير الى ان النوباد ليس سوى قبيلة من القبائل النوبية سيما انهم عبارة عن ممالك بحسب اراتوسثينس ايضا !
لكن هل النوبة كانوا في الجزر و في الضفة الشرقية ام ان وجودهم اقتصر على الضفة الغربية للنيل قبل التاريخ الذي حدده بروكبيوس ؟
يقول مصطفى مسعد ( 211: 25 ) ” …..و قد جاء بعد هؤلاء بطليموس الذي عاش في القرن الثاني الميلادي و قال النوبيون يعيشون على الضفة الغربية للنيل و في جزيرة مروي و جزر النيل ” . هذا يشير بوضوح الى ان الوجود النوبي في النيل غربا و جزرا و شرقا يمتد منذ القرن الثالث قبل الميلاد و هذا ما اشار اليه ايضا هارولد مكمايكل في كتاب تاريخ العرب في السودان , تعريب سيد علي محمد ديدان ( 2013 : 47 ) حيث ذكر ان اقاسميروس في القرن الثالث قبل الميلاد ضمن النوباي قائمة جريئة للاجناس الافريقية كمستوطنين على ضفتي النيل .
و رواية اخرى تعضد ما سبق عن الوجود النوبي على ضفتي النيل في القرن الثالث قبل الميلاد حيث ذكر الكاتب الروماني بليني نقلا عن اريستوكريون الذي عاصر اراتوسثينس في القرن الثالث قبل الميلاد حيث ذكر وجود النوبة الاثيوبيون في مدينة على ضفاف النهر و هذا ينفي وجود النوبة بعيدا عن النيل عموما . ذكرت سامية بشير ( 2017 : 49 ) نقلا عن كروان ( 1937 : 48 – 49 ) ان النوبة الاثيوبيون سكنوا مدينة بنوبس التي تمت مساواتها بتمبس في جزيرة ارقو في منطقة كرمة .
المتامل لخطاب بروكبيوس يلاحظ وجود ثمة سبب رئيس جعل الامبراطور الروماني يتفاوض مع النوباد للخروج من الواحات و السبب هو الغارات التي كان يشنها النوباد على المقاطعة الرومانية و تهديد رعاياهم لذا فاوضهم الامبراطور الروماني و اقنعهم بمغادرة الواحات من اجل سلامة رعايا الامبراطور و مصالحه في الواحات و كان ذلك مقابل ان يحلوا محل الحاميات الرومانية على الحدود الجنوبية التي كان منها يغير البليميون ايضا على رعايا الامبراطورية الرومانية فاراد ان يشغل اكبر قوتان انذاك ببعضها البعض ليكف شر غاراتهم مستقبلا و بالفعل وقع مع الطرفين اتفاق سلام . اذن السبب الاساسي لمغادرة النوباد للواحات هو الغارات التي كان يشنها النوباد ضد مصالح الامبراطور !
هل النوباد كانوا مرتزقة ؟
هذا الادعاء الذ نشرته المركزية الاوربية و اقلامها التي ظلت تنشره حتى هذه اللحظة انما يدحضه النظر الى حدود البلاد في عهد الملكة اماني ريناس و في عهد زعيم النوباد تنتاني.
لا يعرف البعض الدور الوطني الذي لعبه النوباد ( النوبة ) في استعادة جزءا من السيادة التي فقدتها المملكة المروية عقب حملة الملك ترتيقاس المتوجهة الى الشمال لدعم انتفاضة اندلعت هناك لكنه توفي فجاة لتخلفه الكنداكة اماني ريناس .
جرت مفاوضات سلام في جزيرة ساموس بين الرومان و قادة الكدنداكة اماني ريناس في عام 20/21 قبل الميلاد و بموجبها تم اعفاء الاثيوبيين من الضرائب و تم ضم دوديكاشينوس( تمتد من اسوان الى المحرقة الحالية ) الى الامبراطورية الرومانية و ترسيم حدودها في المحرقة ( ص 835 ) . من تبعات تلك الاتفاقبة تبعية دوديكاشينوس الى مصر الرومانية و ضمها اليها . كان الهدف من ضم دوديكاشينوس الى الامبراطورية الرومانية هو اعاقة أي هجوم اثيوبي مستقبلا .
اما في عهد النوبة فواضح من محتوى خطاب فيفانتيوس الى تنتاني زعيم الامة النوبية المؤرخ ب 450م ان الحدود في عهد ذلك الزعيم النوبي توسعت فاصبحت فيلة و اسوان تحت سيطرة النوبة نتيجة الدهاء الامني و الحنكة السياسية التي عكستها الضغوطات الامنية التي شكلها النوبة و البليميون على السلطات الرومانية حتى اضطر الرومان الى الانسحاب من المحرقة الى الشلال الاول تحت دواعي و حجج اقتصادية لكنها كانت في الواقع امنية.
قد قام قائد محلي ممثل للامبراطور الروماني بزيارة الى الزعيم النوبي تنتاني في مقر اقامته في اسوان و طلب عقد اتفاق سلام معه ( انظر المرفق ) . و هذا يعني استرادا الزعيم النوبي لاسوان و فيلة من الرومان بعد ان كانتا تحت هيمنة الرومان بموجب اتفاق ساموس . و هذا الدهاء السياسي مارسه الاثيوبيون( المرويون ) و البليميون من قبل عندما زاروا الامبراطور البيزنطي في مقر اقامته في القسطنطينة سنة 336 و عرضا عليه خدماتهم و قدما له فروض الولاء و الطاعة و بعض الهدايا من الذهب و السيوف و الاولاد …الخ ( انظر المرفق ) .
Ermon et al ( 1998) FONTES HISTORIA NUBIORUM.Vol 111. Norway.
Jitse, H ( ) Blemmyes, Noubades and the Eastern Desert in Late Antiquity: Reassessing the Written Sources.Website.
Vercoutter, J ( 1958) KUSH. khartoum
مصطفى مسعد ( 2011) الاسلام و النوبة في العصور الوسطى . القاهرة.
الصورة للملك سيلكو ملك النوباد و هو يحمل علامة الحياة الفرعونية