المشهد الآن.. الانفلات الأمني سيد الموقف
الخرطوم: محمد آدم بركة
لم تنام الخرطوم على أمن وطمأنينة، منذ فجر 3 يونيو الجاري الموافق 29 رمضان 1440هـ، صبيحة مجزرة القيادة العامة على أرض ساحة اعتصام ثورة (ديسمبريل) المجيدة، بل ظلت تشهد أحداثاً متواترة من العنف والانفلات الأمني المريع، الأمر الذي من المتوقع أن يقود إلى كوارث أخرى بعد مجزرة فض الاعتصام، وتفلتات العنف المتفرقة هنا وهناك.
باتت عصابات وميليشيات المجلس العسكري الانتقالي (الجنجويد) المعروفة بقوات الدعم السريع، التابعة لنائب رئيس المجلس الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، تشكل خطراً على حياة المواطن في العاصمة الخرطوم، وولايات السودان المختلفة، بإنتشارها الأمني الكثيف على متن سيارات تويوتا (لاندكروزر تاتشر – هايلوكس) مدججة بالعتاد العسكري، يحملون سياطا وهروات من الخيزران، بجانب الأسلحة النارية الخفيفة (كلاشنكوف و جيم) يحملونها على الأيدي والأكتاف بطرائق استهتار واستخفاف بسلامة وأمن المواطن، متنافية مع الانضباط العسكري، وقواعد حمل السلاح لدى النظاميين وفق الأسس والضوابط العسكرية والأمنية.
حالة استياء وخيبة وسط المواطنين من موقف قوات شعبه المسلحة، جراء الأحداث الأخيرة، ووقوف الجيش متفرجاً لا أكثر لممارسات مليشيات حميدتي الذين يسيطرون بالقبضة المحكمة على الطرقات ومفاصل البلاد، مخلفين حالة من الفوضى والممارسات غير الأخلاقية من سلب ونهب وضرب وانتهاك أعراض وإطلاق للرصاص الحي واستخدام (الدوشكا الروسية) في بعض الأحيان، والاعتداء على كبار السن بالضرب والسب والإهانة البشعة.
جهود مستمرة لشباب الثورة عبر لجان الأحياء والمقاومة السلمية وقيادات الثورة بشل الحركة عبر الـ (المتاريس)، حيث تشهد الأحياء والشوارع الرئيسية والفرعية مارثوان حامي الوطيس بين الثوار والمليشيات وقوات الشرطة والأمن، إذ ينشط الثوار بوضع المتاريس والاختفاء والعودة مراراً لوضعها، بينما تقوم القوات بإزالة المتاريس كلما وضعت، وفتح الطرق عبر جرافات وآليات وشاحنات نقل ثقيلة، وعندما تتمكن القوات من اعتقال الشباب تستخدمهم لإزالة المتاريس مع الضرب المبرح وإطلاق الرصاص على الهواء وأحيانا مباشرة على الأجساد غير آبهين بهدر الأرواح، بجانب ملاحقة البعض منهم ومداهمة المنازل.
إثر هذه المحاولات العنيفة يتزايد فقد الأرواح البريئة من المواطنين العزل، حيث قتل خمسة أشخاص أمس الأول، أربعة في ولاية البحر الأحمر وقتيل بالخرطوم، ووصل عدد الشهداء إلى (113) شهيداً وفق آخر تقرير لـ اللجنة المركزية للأطباء في السودان (ccsd)، وأرتالاً من الجرحى بالمستشفيات الحكومية والخاصة، بينما أغلقت (5) مستشفيات رئيسية كلياً ومستشفيين جزئياً بالعاصمة، الأمر الذي يضاعف حالات الوفيات ومعاناة المرضى. إثر ذلك وضغوطات تحيط بالحقل الصحي أطلقت لجنة الأطباء المركزية، أمس الجمعة، مناشدة إنسانية عاجلة، بعثت بها للأمم المتحدة والمنظمات الصحية الإقليمية والعالمية، لمد يد العون للسودان والضغط على المجلس العسكري بعدم التعرض للأطباء والتدخل في شأن المؤسسات الصحية أو الإقتراب منها للحد من فقد الأرواح المتصاعد، وتجنبا لتفاقم كارثة إنسانية حدثت، وكشفت المناشدة أن مستشفيات البلاد تعاني من نقص حاد في الكادر الطبي، والمحاليل الوريدية والأدوية المنقذة للحياة، في ظل تضييق ممنهج على الأطباء والكوادر من قبل جنجويد المجلس العسكري الذي يصفه الشارع السوداني بـ (الانقلابي)، إلى جانب محاولات سد طريق الوصول ومهاجمات وعنف داخل المؤسسات الصحية أثناء علاج جرحى الأحداث والمرضى.
بعد زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد وعقده لاجتماعات وساطة بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري، بعد إعلان عدم التفاوض نهائياً من قبل قوى الحرية والتغيير عقب المجزرة، اعتقلت السلطات الأستاذ محمد عصمت أحد قيادات العصيان المدني ببنك السودان عقب لقاء آبي أحمد ضمن وفد (قحت)، بجانب اعتقال الأمين العام للحركة الشعبية إسماعيل جلاب والناطق الرسمي مبارك أردول، وكشفت مصادر موثوقة أن المجلس العسكري الانتقالي كون لجنة مشتركة من الشرطة والأمن والدعم السريع لتنفيذ حملات اعتقالات واسعة، اليوم السبت، للناشطين والثوار في الأحياء بالعاصمة استباقاً للعصيان المدني الذي دعا له تجمع المهنيين (قائد الثورة) يوم غد الأحد في كافة أنحاء السودان، ووجه عدد من الناشطين في الثورة دعوات ونداءات واسعة للناشطين ولجان المقاومة السلمية لتوخي الحيطة والحذر عبر الطرق المعلنة والسرية البديلة في ظل الإنقطاع التام لخدمة الإنترنت.
احتجاجات ومظاهرات ليلية تندلع هنا وهناك، ونداءات العصيان المدني الشامل تسري بين الناس، وتظل الأوضاع في السودان والعاصمة الخرطوم خاصة يسودها الانفلات الأمني والرعب المسيطر بين المواطنين، وبات كثير من الأفراد يغادرون منازلهم بلا أدنى أمل في العودة إليها أحياء تحت سقف البارود والعنف الممنهج للترويع والقتل.. فهل سيصبح الانفلات كابوس مزعج نفر منه كل حين؟!!.