القواسم المشتركة بين عبدالفتاح البرهان وحميدتي … بقلم: سلمى التجاني
من أوضح القواسم المشتركة بين عبدالفتاح البرهان وحميدتي هي تجربة الحرب بدارفور ، إضافة لحرب اليمن. فقد كان برهان أحد جنرالات حرب دارفور بجانب دوره في إرسال قوات الجنجويد للمشاركة في حرب السعودية والإمارات باليمن. وبدا جلياً أن خبراتهم في إدارة الأزمات لا تتجاوز الأجندة الحربية التي نفذوها بدارفور وطبقوها مع بعض التعديلات التي تلائم اليمن ؛ القتل والحرق وتأديب المواطنين بسياط الجنجويد، وكأنما اتخذا حرب دارفور مرجعاً يسترشدان به، ومن خلفهما المجلس الإنقلابي، في التعامل مع ثورة ديسمبر، منذ إعداد الخطط ودراسة ردود الأفعال ثم التعامل معها، وحتى المفردات التي تُطلق تمهيداً للحلول الحربية، لكن أخطاء جسيمة وسوء تقدير قادتهم لنتائج مختلفة.
في العام 2008م عندما انهار منبر الدوحة للتفاوض قررت الحكومة حينها، عبر نافع علي نافع الذي كان ممسكاً بملف دارفور، القيام بعملٍ عسكري لكسر شوكة الحركات وإعادتها مرغمة لطاولة التفاوض، فجرَّد حملةً أسماها ( تنظيف ) جيوب التمرد في شمال دارفور، فتح فيها أبواب الجحيم على معسكرات الحركات المسلحة عبر القصف بالطائرات، مع الإستعانة بالجنجويد والقوات البرية لملاحقة الناجين، ثم اطلاق الجنجويد كالكلاب المسعورة لتنشر الرعب وتحتل تلك المناطق بمن يسكنها، إذ أصبحت ( حلال عليهم ) بعد أن حرروها من الحركات المسلحة. وعندما بدأت الإدانات الدولية على الحكومة قال نافع إنها مجرد حملة ( تنظيف ) لجيوب التمرد التي تشكل تهديداً للأمن والإستقرار في المنطقة كما قال، ومن ثم أعلنت الحكومة استعدادها للعودة للمفاوضات، بشروطٍ جديدة.
حرب دارفور قد شكلت مرجعية لبرهان ومجلس الانقلابيين ومن خلفهم مستشاريهم من قادة النظام السابق ومنسوبيه، عند تخطيطهم وتنفيذهم لمجزرة التاسع والعشرين من رمضان وما أعقبتها من فوضى بالعاصمة لا زالت مستمرة في بعض مناطق الخرطوم. إذ يبدو أن الخطة كانت تبدأ بالتذمر من كولومبيا، ثم الإتفاق على تنظيفها، فتصبح مدخلاً ( لتنظيف ) شارع النيل ومنطقة الإعتصام ، بهجومٍ خاطف ومكثف يخفي مظاهر الإعتصام والمعتصمين من الوجود، بالقتل والحرق والتخلص من الجثث والجرحى بألقائها في النيل، في ظل انقطاع شبكات الإتصالات ، ليصبح الصبح على الناس وبدلاً من أن يتساءلوا أين المعتصمين يكون هاجسهم الأوحد هو النجاة من الجنجويد الذين أُطلقوا ليزرعوا الرعب في الخرطوم، فيما يشبه ما يحدث بمناطق الحرب بدارفور ، يتم قصف المواقع العسكرية للحركات، يؤسر ويُصفى الجنود ويتم تسليم الجنجويد مفاتيح المنطقة كمكافأةٍ على صنيعهم، ومنذ تلك اللحظة تُستباح القرى وتُنتهك الحرمات، وتدخل المنطقة عصر الجنجويد.
لكن الأمر في الخرطوم مختلف، فالراجح أن خطة المجلس الإنقلابي هي ترك العاصمة للجنجويد ليؤدبوا أهلها ويرعبونهم بنموذج مجزرة اعتصام القيادة، مع الإيحاء – بيان بالعمل – بامكانية تطبيقه في أي بيتٍ أو حي،أسبوع أو نحوه ويرتعب الناس، وما أن تنقضي عطلة العيد حتى تعود الحياة لطبيعتها. لكن الحياة لن تعود لما كانت عليه قبل مذبحة الاعتصام، لن يعود الفتية والفتيات الذين كانوا أزهاراً تزين ساحة القيادة، لن تعود رسوماتهم ولا أهازيجهم وهم يقدمون شاي الصباح، ولن يعود حُماة المتاريس الذين لم يفارقوها حتى فارقت ارواحهم الأجساد. وإن كانت الحركات المسلحة تخلي مناطقها لتستعيدها وفقاً لتاكتيك الحرب، فان ميزان القوة ظل راجحاً دوماً لصالح الثورة، لأنها سلمية، ولأنها ثورة شعب، ولأنه شعبٌ عظيم .
فشل مخططهم في الخرطوم حتى بعد أن أعلنوا استعدادهم للعودة للمفاوضات، لسببٍ جوهري يفهمه حتى أبلد جندي سوداني بالجيش؛ إذ أن الشعوب العظيمة لا تسمح لحثالة بنيها بوأد ثوراتها. فميدان الإعتصام الذي أرادوا محوه من الوجود أصبح محفوراً في قلوب الناس، ككوكب دُرّّيٌ يضيئ الطريق، لم تلن عزيمة الشعب بل إزدادت تصميماً على اقتلاعهم، ثم تتالت الإدانات الدولية من المنظمات والدول وقد تشرع بعضها في فرص عقوبات على المجلس الانقلابي، ضاق الأمر بالانقلابيين حتى لجأت السعودية والإمارات، الدولتان الداعمتان للمجلس، للإستعانة بخدمات دول صديقة بالمنطقة للتوسط لنزع فتيل الأزمة، وإضرابٌ سياسي على الأبواب. ببساطة فان المجلس الإنقلابي في ورطةٍ لا مخرج منها إلا بتسليم السلطة للمدنيين، وتحمل المسئولية الجنائية والأخلاقية كاملة عن مجزرة القيادة العامة وجرائم الجنجويد بالخرطوم والمدن الأخرى. أما البرهان فأكد بمذبحة القيادة، أنه قد كانت لديه تجارب مماثلة بدارفور يستنسخ منها الآن، بمساعدة نفس مليشيا الجنجويد ، وعليه كذلك تحمل تحمل مسئوليتها لجنائية .