عمان – أمنيات محمد علي
في ظل الحرب الشرسة المفروضة على الإنتاج الأدبي والمتمثل في ارتفاع أسعار طباعة الكتب والروايات، بل والأقسى من ذلك أصبحت دور النشر في حالة سُعر دائم تلتهم العملة الصعبة وتنتج كتباً بلا محتوى وبلا روح، فقط مقابل حفنة من الدولارات، ولا أقصد التعميم في هذا الأمر، لأنه لا تزال هناك دور نشر محترمة تقدم أدباً رصيناً، ولكن في هذه الحالة يبقى الكاتب بين مطرقة المنتوج الأدبي الجيد وسندان تكاليف الطباعة الباهظة، مما أطر البعض إلى الانزواء والنظر من بعيد على أمل تحسن الأوضاع.
في الأردن
أقيم في الأسبوع الماضي بعاصمة المملكة الأردنية الهاشمية “عمان” حفل توقيع وإشهار رواية (مدارج السلسيون) للروائي السوداني محمد دهب تلبو، بقاعة فناء شجرة ببيت الثقافة والفنون وبحضور العديد من رموز الأدب في العالم العربي وأبناء الجالية السودانية هناك ونفر من الأصدقاء والمهتمين بأمر الثقافة، قدم الأمسية الشاعر محمد خضير، وقدم الأستاذ صبحي فحماوي قراءات نقدية وإضاءات للرواية، وافتتح صبحي كلمته وقال: يتميز إبداع الرواية السودانية بكونه يأخذنا في متاهات ضبابية وعتمة عبر بقايا غابات إفريقيا المنقرضة وعرى طرقاتها الرملية المزروعة بغبار الأشباح ورعب الأرواح، ومهر العروس ثلاث عنزات، ودية القتيل بقرتان ومقايضة بيت محروق بجمل، وأن أي مدينة أو قرية يتوجها شيخ قبيلة بصفته الملك المالك للمال والمآل، وكما قال الطيب صالح للأوروبيين إنه في السودان يمد يده من شباك غرفة النوم ليلاعب التماسيح المتقافزة من غفوة خدرها في بطن النهر، هذا هو السودان في متخيلي.
رتق الثقوب الدقيقة
وتطرق فحماوي للرواية وقال: عرفت الأستاذ محمد دهب من خلال روايته الأولى مدارج السلسيون، وعرفت منه أن السلسيون هو ذاته الذي نعرفه ونحن صغار كنا نلصق به عجلات (البسكليتة) المنزوعة، ويكتب عنه تلبو في الصفحة السادسة أنها مادة كيماوية عالية التماسك، لها قدرة على رتق الثقوب الدقيقة في إطارات الدراجة الهوائية، ولها قدرة خارقة على معالجة الثقوب الكبيرة التي أحدثها المجتمع في قلوب المشردين، نلاحظ هنا المزج بين العجلات الممزقة والقلوب المجروحة، فهذا المزج هو خيال الأديب الشاعر السارد الجميل، وهو يقول أيضا إن السلسيون متوفر بكثرة كتوفر الأمراض المزمنة والموت المجاني، رغم غلاء سعره إلا أنه متوفر والناس يبحثون عنه، وأهم لهم من رغيف الخبز، لأنه يجعل الشخص ينسى همومه وأهله والدنيا كلها، وتعاطيه مرض لا شك فيه وقيل: ما الذي يدفعك للمر قال الذي أمر منه، هنا تكمن شاعرية الروائي الذي يختلف عن سرد التاريخ، التاريخ شيء والفن الروائي شيء آخر، يقول هذا ويعود في صفحات أخرى يوضح طريقة التعامل معه إنه يتم بالاستنشاق الفموي لسحب نفس عميق عبر الخرقة واضطرارهم لشرائه كمنعش مخدر لهم رغم ارتفاع سعره أمام الفقر والتشرد، لدرجة أنه سمى الرواية (مدارج السلسيون).
رومانسية إفريقية
من التحكم الإلكتروني إلى الأدب
الكاتب العشريني الشاب محمد دهب تلبو، من مواليد مدينة نيالا جنوب دارفور في العام 1990، تخرج في جامعة النيلين بكلاريوس مرتبة الشرف في هندسة التحكم الإلكتروني، مؤلفاته الأدبية: (مدارج السلسيون) أول رواية له في العام 2015 عن دار أوراق للنشر في القاهرة، (ظل الفوضى) رواية عن دار مومنت للنشر في لندن عام 2016، (صرح الأمكنة) مجموعة قصصية أيضاً عن دار مومنت في عام 2018، (مكنسة وغليون) مجموعة قصصية عن دار العنقاء للنشر بالخرطوم عام 2018، (تداعي ظاعن) مجموعة قصصية قيد الطبع، حاز على جائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي. تدور أحداث الرواية في منطقة (أبو خرايط في دارفور)، حيث غابات السنط والهجليج والهشاب وبيوت متفرقة بُنيت من أعواد الأبنوس وسط غابة مزالة تركت بعض أشجارها كشاهد على وجودها سابقاً.
مدارج السلسيون
وتحدث محمد دهب وقال: الحديث عن الأشياء الخاصة شيء مربك جداً لا سيما الأشياء التي تحظى بخصوصية عند الشخص، مثل التجربة الأولى، وتجربتي (مدارج السلسيون) هي خرجت من الرحم كفكرة عندما كنت طالباً بالصف الأول ثانوي في العام 2005، وصادف العام حدث عظيم وهو اندلاع أزمة دارفور، حيث امتلأت مدينة نيالا بعدد كبير من الأطفال المشردين، ومن تلك اللحظة احتفظت بالمشاهد في الذاكرة لمدة عشرة أعوام لتوثيقها، فأخرجتها بشكلها الحالي.