الحياة مدرسة … بقلم: د. هاشم غرايبه
طلب أحدهم لغدائه قرصاً من (البيتزا) عن طريق طلبات التوصيل، ولما سأل الشاب الذي أوصلها عن المبلغ، قال له الصيغة المعتادة: خليها علينا، فأعاد صاحبنا المحفظة الى جيبه قائلا: كما تريد، وظل عامل التوصيل واقفا ينتظر، فقال له ألم تقل خليها علينا؟، فأجابه: نعم، ولكنك تعرف أنها للمجاملة، فقال له: وأنا لن أدفع لكي تتعلم درسا في أن لا تقول ما لست أهلا له، فأجابه الشاب مغلوبا على أمره: كما تريد، لكن تأكد أنني لن أسامحك، وأنك لو دفعته الآن سيكون أرخص كثيرا لأنني سأتقاضاه منك يوم القيامة أضعافا مضاعفة.
اعتدنا أن نسمع من البائع عبارة المجاملة المعهودة: خليها علينا هذه المرة، فتجيبه شكرا لك، فيعود للقول: مش حرزانه، وينتهي هذا الحوار حينما تناوله الثمن قائلا: الله يبارك فيك.
لكن هل جرب أحد مرة أن لا يدفع و( يخليها ) على البائع مرة واحدة ؟، لا شك في أن النتيجة ستكون غير سعيدة لكلي الطرفين، وبلا شك فعاقبة ذلك نقيضة لكل معاني الكرم والشهامة!.
بعد صلاة الجمعة يلقي الأصدقاء والأقرباء التحية على بعضهم والدعاء بقبول العبادة، وفور الرد (منّا ومنكم صالح الأعمال)، يسارع أحدهما باستباق الآخر لدعوته الى بيته لتناول الغداء، فيجيبه الآخر: بالله عليك عندنا فبيتنا أقرب، فيعود الأول يستحلفه بالقول: بالله عليك خلينا نكسبك هذه المرة، وتنتهي الأمور عند ذلك ويعود كل الى بيته، لكن هل حدث وأصر أحدنا أن يتيح للآخر أن (يكسبه)؟ لا شك أن سيكسب خلافا مع زوجته التي رتبت غداء يكفي حاجة العائلة، ولا يتحمل التدبير وحسن الإدارة مضاعفة الطبخة احتياطاً لضيافة مفاجئة!.
أما العبارة الأكثر تبادلا بين الناس في تعاملاتهم المالية، فهي عبارة: ولا يهمك الجيبه واحده!.
قطعا ليست الجيب واحدة، فلكل امرئ جيبه الخاص ومصدر دخل محدد، وسواء كثر أم قل، فهو ليس مشتركا، ولا يقاسم فيه أحدا.
كثير من تصرفاتنا في التعاملات اليومية والتي ندعوها بالمجاملات، اعتدنا عليها من غير أن ندقق في مدلولاتها، لكننا سنفاجأ إذا ما طُلب منا أن نترجمها لكي يفهمها أجنبي، لا شك أننا سنحجم عن إعطائه المعنى الحرفي خجلا من نظرة الدهشة التي سيرد بها، وكأنه يقول لك لماذا تكذب إذا كنت لن تلتزم بما عرضته، ستقول إنه مجرد مجاملة لإضفاء شيء من الود على التعاملات المادية.
الحقيقة أن تلك العبارات تميز مجتمعاتنا عن المجتمعات الغربية، وهي تنتمي الى منظومة واسعة من تصرفات النفاق الاجتماعي التي دوافعها التخوف من وصم المرء بمتلازمة تعتبر مقيتة في قيمنا، وهي البخل والطمع والأنانية، وتعبير عن التشبث بالجذور التليدة لقيم الكرم والشهامة التي تميز بها العرب، وكانت تلك القيم ضرورة اجتماعية من أجل البقاء في ظروف البداوة القاسية في صحارٍ يندر فيها توفر الطعام، وانعدام الأسواق والمطاعم والفنادق، ناهيك عن المال لشراء الطعام، فلا مجال إلا الضيافة.
تطورت المجتمعات ونشأت المدن، لكن تقديس تلك القيم كان عميقا في النفوس، لم تتمكن المدنية والتحضر من محوها فبقيت، إنما بصورة شكلية إجمالاً، لذلك غاب التطبيق عند كثيرين وبقي التظاهر.
بالمقابل فإن الحرص على المال مرتبط بأهم نقيصة بشرية وهي الأنانية، والتي إن استحكمت في النفس تؤدي الى البخل، والذي يغذيه مخافة الفقر، فيغدو مرضا نفسيا ويصبح مذمة اجتماعية، يحرص الناس على تجنب الوقوع بها، ولو باللجوء الى استعمال عبارات المجاملة الآنفة الذكر.
قديما ربط العرب الكرم بالشجاعة، والبخل بالجبن، ولا شك أن هنالك تلازم بين تلك الأزواج المتقابلة، فالعطاء والبذل هي حالة من التغلب على شح النفس الذي جبلت عليه النفوس وتحتاج الى شجاعة وإقدام، فمن أفلح في ذلك فكأنما هو صارع نفسه وانتصر عليها “وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” [الحشر:9].
الإيمان بالله واليوم الآخر، مقنع للنفس بالمحافظة على متلازمة الكرم والشجاعة أكثر من الأعراف والتقاليد، لأن ما سيجده يوم الحساب سيعوضه عما فقده في الدنيا بذلا وعطاء، فيجعل الإقبال على العمل الطيب بدافع أقوى كثيرا من مجرد الالتزام بالعادات المتوارثة، وذلك يحُدُّ كثيرا من السلوك التظاهري المفرغ من المعنى.