في العمق … بقلم: د. هاشم غرايبه
الإنتلجنسيا هو مصطلح ماركسي ، ويعني الطبقة الرمزية الوسيط بين المثقفين منتجي المعرفة والخطاب من جهة، والجمهور العام من جهة أخرى، حيث تقوم هذه الطبقة بنقل المعرفة وترجمتها وتبسيطها إلى العامة، لذلك تعتبر أهم أداة للتغيير الثوري.
دأب العالم الغربي بشقيه الرأسمالي والشيوعي على انكار منهج الله، ولتعصبهم فلم يبذلوا أي جهد في التعرف عليه، لذلك اعتقدوا أن هذه الطبقة تتألف من اليساريين حصراَ، ولما كانوا يحصرون الدين بالكنيسة التي صنفوها جزءا من الطبقة الحاكمة، فافترضوا ان لا يكون رجالها من هذه الطبقة.
العلمانيون العرب استنسخوا هذه المقولات بببغائية، بأن استبدلوا مسمى الكنيسة بالمسجد، من غير تمحيص ولا فحص مطابقتها للواقع الخاص لأمتنا.
لعل ذلك يفسر اخفاقهم الفاضح في التأثير بالشارع، فظلوا على وهمهم القديم بأنهم يمثلون نبضه، ولما هبت الثورات العربية عام 2011 استبشروا بدايتها، اعتقادا بأن الجماهير ستختارهم للحكم، لكنهم صدموا حينما كشفت أول انتخابات حقيقية مكانتهم الواقعية، لذلك ناصبوا الشارع العداء، وانضموا الى صف الرجعية العربية التي تمثل الصهيونية العربية، وأيدوا بقاء الأنظمة المستبدة التي طالما رموها بالعمالة للاستعمار.
التحليل الساذج الذي تبنوه أن الشعوب العربية عملاء للاستعمار، وترديدهم للفكرة الغبية ان “برنارد لويس” هو من كان وراء كل الثورات، لا يقنع طفلا، ولا التفسير القائل أن المحرك هم الإخوان المسلمون، إذ كان هؤلاء في أضعف حالاتهم تنظيميا، وكان قصارى طموحهم المحافظة على البقاء.
التفسير المقنع يوضحه رصد التغير في أحد أهم معاقل الثورة الشعبية مصر.
في بدايات عام 2005، بدأ يتشكل في مصر حراك سياسي صغير أخذ ينمو بتسارع قياسي لمعارضة نظام الرئيس حسني مبارك ومشروع توريث السلطة إلى نجله جمال مبارك، مثَّل الحراك الناشئ في أحد أوجهه تلاقيا بين جيلَين مختلفين: جيل السبعينيات ورموز الحركة الطلابية من حقبة السادات في زمن الطبقة الوسطى الفاعلة سياسيا ما قبل الهجرة والعمل في الخليج، وجيل الشباب الذي صقلت معاناته الظروف الاقتصادية القاسية.
التقت بفضل هذا الحراك أيديولوجيات شتى، إسلامية ويسارية وقومية وليبرالية، بهدف معارضة نظام حسني مبارك، بيد أن التلاقي الأيديولوجي لم يستمر طويلا، وبفشله فشل الحراك كله في نهاية المطاف، ولكن على هامش هذا التلاقح بين الجيلَين وأفكارهما، تشكَّل تلاقٍ من نوع مختلف بين جيل من المثقفين والأكاديميين الإسلاميين من خارج الجسم التنظيمي للحركة الإسلامية من أجيال الثمانينيات والتسعينيات، مع مجموعات واسعة من الشباب المحافظ المتديِّن الذي شغله سؤال موقع الإسلام من العالم والحياة المعاصرة ووقف متردِّدا مُتحفظا أمام ممارسات التنظيمات الإسلامية الكبيرة، ولذا بدا أن تلك المجموعات الشبابية قد وجدت ضالتها عند أساتذتها من الأكاديميين والمثقفين أصحاب التجربة العريضة في الفكر والعمل الإسلامي.
جمعت هؤلاء الأكاديميين والمثقفين الفكرة الإسلامية العامة دون تحديدات أيديولوجية أو نظرية صارمة، ما سُمِّي بعد ذلك بـ”الإسلام الحضاري”، ويطلق هذا المسمى على الحراك الثقافي الذي تأسس على يد عدد من الأكاديميين البارزين، بلا أي تنسيق بينهم، على رأسهم الراحلون: “عبد الوهاب المسيري” و”طارق البشري” و”طه جابر العلواني” و”محمد عماره” و”محمد الغزالي” و”يوسف القرضاوي” و”محمد سليم العوا” و”نادية مصطفى” و”هبة رؤوف عزت” و”سيف الدين عبد الفتاح”، وغيرهم من أكاديميين وباحثين قدَّموا إسهامات فكرية ونظرية مهمة في قضايا تتناول هموما معاصرة حول الإسلام والحداثة وما بعد الحداثة، وليس مجرد استنساخ لتجارب التاريخ التليد.
بطبيعة الحال، فإن المثقف عندما يحمل فكرا إنسانيا مقنعا عابراً للطبقات، وليس شوفينيا متعصبا لقومية، ولا هو غير واقعي ينبي على تصارع الطبقات، فإنه يجد سبيله مفتوحا الى العقل المتعطش للمعرفة، لذلك استقبلت طبقة “الإنتلجنسيا” الشابة أفكارهم، وتبنتها لحل المشاكل المتفاقمة للبطالة وضيق فرص المعيشة الكريمة التي يعيشها هؤلاء الشباب.
من هنا قادت هذه الطبقة المظاهرات المطالبة بالإصلاح، ولم يكن في ذهنها حينها اسقاط النظام وتسلم السلطة، التحولات الدراماتيكية من توهم السلطة بأن القمع سيقضي على المحتجين هو ما أسقط النظام، فسارع قادة العسكر الليبراليون، وخوفا من فقدانهم السلطة وخسارتهم مكتسباتهم، الى التضحية بمبارك وتشكيل المجلس العسكري، وعندما لم يتمكنوا من انجاح مرشحهم (أحمد شفيق) ديموقراطيا، انقلبوا على الرئيس المنتخب (مرسي) فاستعادوا السلطة من جديد.