إشارات ملونة حول رواية شارع جوبا.. عمر أرباب
رواية شارع جوبا للكاتب السوداني صلاح التنقاري هي باكورة إنتاجه السردي، أتت في كتاب من القطع المتوسط، احتوتها ثلاثة فصول(مائة وخمسون صفحة) متضمنة الصفحة الأولى والاهداء والذي ابتدره بشهداء ثورة الدماء (ثورة ديسمبر) إلى معابر الحرية، وعتبة الاهداء وكذلك عتبة العنوان تضعا الرواية في منصة الذاكرة الحية حيث زخم الشارع والذي يعتبر رافعة ثورة ديسمبر وبطلها الأول، وهذه إشارة خضراء محفزة للقراء وستجعلهم يتساءلون وما بال شارع جوبا وأين شارع جوبا وماذا حدث في شارع جوبا؟، ثم تأتي صفحة الغلاف كعتبة ثالثة واشارة رامزة لتضعنا في زخم شارع جوبا الحي والموار بحركة العربات والناس والاضواء والأحداث والهتاف والتقلبات.
رواية شارع جوبا تنتمي للمكان بمحبة ويعتبر الشارع وما يحتويه اكثر الأماكن حيوية لذا وضعت الرواية كاميرا رصدها على الشارع لا لتتبع حركة الناس فقط، بل حركة جميع الحيوات دون أن تغفل أثر الأشخاص وحركتهم وتقاطعاتهم وصراعاتهم، إن شارع جوبا مثل شريط تلفازي يرصد حركة الصورة عبر الزمن دون أن تأخذ منه إعلانات النسيان حظه من الحيوية، حيث يظل الشارع حيا في كل الفصول مع السهو القليل عنه في الفصل الأول عندما تتابع كاميرا السرد بطل الشارع وهو في مصر أو بيروت.
تقديم تاريخ المكان عبر السرد مهارة تحتاج لكاتب حاذق وتجميع تاريخ المكان في ذاكرة شارع أيضا يحتاج لمهارة، وتجميع ذاكرة الشارع في تفاصيل مطعم عوض بابور عمل يستحق الإشادة، ومن هنا في ظني يأتي جمال الفكرة، يأخذنا قلم الكاتب ويعرفنا على التغيرات والتطور الذي حدث دون أن يقحم جمود الأحداث التاريخية والتفاصيل في جسد السرد.
تتميز الرواية بلغتها وتميزها، إذ يمكن القول بأن الكاتب استخدم التجريب والتركيب والتشبيه اللغوي وقد نجح كثيرا وكرر قليلا، وهذه إشارة مهمة يمكن التوقف عندها، حيث اكسب التجريب هذه الرواية متعة خفية ربما يشعر بها الذين لديهم حساسية عالية مع اللغة، فاللغة كائن حي يعلو ويشمخ بإحسان اللفظ والمعنى، وكذلك تجد بعض أهل الرواية لا يهتمون باللغة والإحساس بوقعها على القارئ، فتأتي جملهم وتراكيبهم ناشزة تجعلك تهرب منها دون أمل في الرجعة مرة أخرى وقد سلم قلم الكاتب إلى حد ما، مع بعض المبالغة الناتجة من السباحة مع تيار اللغة حد الشاعرية.
في رأيي تعتبر الرواية ناضجة ودانية نحو الإبداع في فصلها الثاني والثالث، أما الفصل الأول فهو خليط وشابه الكثير من الخلل الفني من تداخل في الأصوات السردية، تارة يتداخل صوت الراوي وطلال وتارة يتحول صوت الراوي إلى طلال، بالإضافة إلى التكثيف الشديد حيث يكون الانتقال فجائيا مما قد يسبب انقطاعات في خيوط السرد عند القارئ، أما الفصل الثاني والثالث فهما يتميزان بالسرد المحكم واللغة الجميلة وتميز الأصوات الساردة، في ظني بأن هذه الفصول الثلاثة لم تكتب متتابعة زمنيا، كأن الكاتب بدأ الرواية ثم تركها لزمن طويل وبعدها استأنف ما انقطع.
الإشارة الأخيرة تعتبر الرواية مهمة إذ أنها ترصد فترة مهمة كثيرا ما غابت عن أقلام كتابنا وهي الفترة التي تلت انفصال جنوب السودان، إذ رصدت الرواية العلاقات الإنسانية بين أبناء الشعب، حيث يمكن اعتبار مطعم عوض بابور سودان مصغر حيث يجتمع فيه كل السودانيين بلا تمييز، حيث تجد صامويل الور بجوار عوض بابور مع تداخل وعلاقات إنسانية ظلت حية وباقية حتى بعد الانفصال بل إن الرواية تتنبأ بعودة العلاقات الإنسانية مرة أخرى(سنلتقي مرة أخرى).
في الختام يمكن القول بأن ارتكاز الرواية على الشارع كمرآة راصدة للتطور والتغير، أعطى الرواية مسحة جمالية وحركة درامية دفعت بتيار السرد لكي يتموج ويتسع للتفاصيل دون فقد لخيط السرد الناظم لكل الأحداث.