أبوقطاطي وكت شفتك شعرت الرعشة..

أبوقطاطي يعترف (وكت شفتك شعرت الرعشة.. من صوف راسي لي كرعي)

  بقلم.. سعيد عباس
أغنية (سواة العاصفة بي ساق الشتيل الني) من الأغاني السودانية الخالدة والرائعة والتي تعتبر من أجمل الأغاني التي غناها فنان إفريقيا الأول محمد وردي، لشاعرنا الكبير محمد علي أبوقطاطي.. وقد غنى وردي فيما بعد (المرسال) أيضاً لأبو قطاطي ولكن من الصعوبة بمكان المفاضلة ما بين (سواة العاصفة) و(المرسال) في كل النواحي اللحنية أو الموسيقية أو حتى في جزالة المفردات وقوة تعبيرها في القصيدتين. أما موضوع قصة أغنية (سواة العاصفة) والتي كتب أبياتها أبو قطاطي بمجرد فتح باب أحد المنازل بأمدرمان. كانت مناسبتها أن أبو قطاطي في زيارة لأحد أصدقائه وقد وصل إلى المنزل وقام بطرق الباب ففتحت له حسناء بارعة الحسن والجمال كما كان يوصفها أبو قطاطي في أحد لقاءته التلفزيونية ويقول عنها بأن بياضها ناعم وشعرها فاحم يسبقها إلى الأرض إذا ما انحنت إلى الامام وأنفها مأصل وجيدها مفصل وعيونها كأنما استعارتهم من الغزلان غير أن وجهها يسابق البدر في شدة ضيائه وبهائه وأنا أعتقد بأن أبوقطاطي صادق في ذلك الوصف الذي يؤكد بأنه أمام تحفة ربانية بارعة الحسن والجمال لذلك كان وصفه أكثر قوة وجزالة لأنه اعترف وقال (وكت شفتك شعرت الرعشة من صوف راسي لي كرعي) ولوان الفتاة بنفس الروعة التي وصفها أبوقطاطي وجاءت فجأة وعلى حين غرة أمام ناظر أي شخص فلا سبيل له غير الرعشة والدهشة معاً ورغم بساطة معاني الكلمات التي تحفل بها الأغنية إلا أنها حبلى بالجماليات اللغوية المعبرة بشكل تفصيلي عن المشاهد الحسية والمعنوية فانظر لجمال الأخيلة ولطافة الواقعية أما عن الأخيلة فلك أن تتخيل شخصاً يقول (بنيت في الموج قصور آمال – ومديت للرهاب ايدي –وشديت سرجي فوق الريح – عشان القاك بدور اطوي المسافات طي) فلا يوجد أبلغ من ذلك أما عن واقعيته السحرية البسيطة التي يتميز بها كتاب أمريكا اللاتينية والذين يسمون مدرستهم بالمدرسة الواقعية السحرية التي من شأنها عكس الواقع الحسي والمعنوي بكل أبعاده الإنسانية الصادقة لذلك تجد أبو قطاطي يحمل تلك الواقعية السحرية ويقول(جمالك في البنات معدوم – شبيهك ماكحل عيني – اقدلي وسكتي الخشامة وانزلي في العواذل كي) القصيدة ثورة إبداعية لانعكاس لواعج الحس الداخلي بكل شفافية كأنما تُركت لتكتب بنبض القلب وخفقانه المجرد، أبوقطاطي فارس كلمة يجيد تطويعها بكل براعة فانظر إليه عندما يصف نفسه وحاله عندما لمح الفتاة ويحكي ماذا فعلت به ويقول (سواة العاصفة بي ساق الشتيل النّي) فلم يقل سواة العاصفة بي جزع قوي أو سواة العاصفة بشيء يرمز للصلابة ويأتي الإبداع في عبارة ساق الشيل الني وكلمة (النّي) تشير إلى رقة نضارة الاخضرار في بداياته وفيها إشارة بأن شاعرنا انحنى ولكن من غير ان ينكسر وتمايل من غير أن يسقط فما أروع أبوقطاطي، الذي يلقبه عدد كبير من شعراء الأغنية السودانية بأنه داهية من دهاة الشعر الحديث ويقيني بأنهم صدقوا أبوقطاطي فله ما يقارب الـ 122 عمل مسجل بالإذاعة السودانية فلا توجد له قصيدة مغمورة ولا فنان مغمور فقد قال أحد زملائه في حفل تأبينه إن لم يكتب أبوقطاطي شيئاً في الشعر غير (الفينا مشهودة) لكفته وأمّرته أميراً على شعراء بلاده وكتب لخليل إسماعيل “الأماني العذبة تتراقص حيالي” إلى جانب “في بنات الجيل بشوف حسنك فريد”، وقدم لوردي المرسال ومعه “سواة العاصفة” وكتب للجابري “أنت يا قلبي المتيم كنت خالي” وعدد كبير من الأغاني لا يمكن حصرها في تلك المساحة الضيقة.. رحم الله أبو قطاطي وأسكنه أعالي الجنان فقد أسلم الروح لبارئها في صبيحة يوم الخميس 21إبريل 2016م.

شارك على
Comments (0)
Add Comment