شفاء للقلوب .. شفاء لما في الصدور

 شفاء للقلوب .. شفاء لما في الصدور

بقلم: د. هاشم غرايبه

نحمد الله تعالى على أن بلغنا رمضان، وندعوه جل في علاه أن يجعلنا من عتقائه.

يقول تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ” [يونس:57]، فأراد لنا تعالى أن نتعمق في فهم آياته القرآنية، وليس مجرد التلاوة بقصد جمع الحسنات.

لذلك ستكون مقالاتي لهذا الشهر الفضيل بإذن الله تحت هذا العنوان، وتتناول لمحات مما يعلمنا الله من خلال كتابه الجليل، وسأحاول أن أختصر بها قدر الإمكان، لأتيح الوقت للأصدقاء المتابعين ليتفرغوا للعبادات من صيام وقيام وتلاوة القرآن، فأجعلها إشارات لمواضيع رأيت فيها أهمية، تلقي إضاءات كاشفة مبينة، وتكون بمثابة مفاتيح لمن أراد ولوج أبواب البحث للتبحر والاستزادة، وينهل من معين القرآن الذي لا ينضب.

أبدأ اليوم مع الآية 62 من سورة البقرة: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ”.

يعتقد الذين يقولون بالنسخ أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: “وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ” [آل عمران:85].

لكن الصحيح أن كلتي الآيتين محكمتان، ولكل منهما مراد، فآية البقرة تحدثت عن ثواب متبعي الرسالات الأولى، فهم قد اتبعوا الدين المرحلي تلك الأيام، فلهم أجرهم، لكن بعد نزول الرسالة الخاتمة، التي صدقت بما قبلها واكتملت بها التشريعات فأغنت عنها، فأصبح لزاما على كل من أدركها منهم أن يتبعها.

لذلك فمراد آية سورة آل عمران أن من لم يؤمن منهم بالرسالة الخاتمة فقد بطل إيمانه.

إن الله الذي أمهل ابليس الى يوم القيامة، أمهل معه البشر للتمحيص، لذلك لم يفصل في الصحيح من الزائغ في العقائد البشرية، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ[الحج:17].

إنما بيّن بكل وضوح دينه، وبأنه لم يعد من خيار في اتباع الرسالات، فاتّباع الرسالة الخاتمة هو الفيصل بين الإيمان والكفر، فأنزل سورة البينة ليقطع أي جدل: “لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً. فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ. وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ. وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ”.

ولذلك فقد اعتبر من لم يؤمنوا بالرسالة المحمدية، سواء أهل الكتاب أو المشركين، كلهم كفارا: “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ. جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ”.

شارك على
Comments (0)
Add Comment