رؤياي ورأي الآن .. بقلم: سعد محمد عبدالله .. رؤية السودان الجديد وجدلية الوحدة والإنفصال

رؤياي ورأي الآن .. بقلم: سعد محمد عبدالله .. رؤية السودان الجديد وجدلية الوحدة والإنفصال

نعود مجددا للحديث حول “رؤية السودان الجديد” التي ساقها وطرحها الرفيق الراحل د. جون قرنق دي مبيور مؤسس الحركة الشعبية لتحرير السودان، وتعتبر الحركة واحدة من أكبر وأقدم الحركات التحررية التي عرفها تاريخ القارة الافريقية والسودان الحديث، والحديث عن “السودان الجديد” يجعلنا بالضرورة نعرج علي “جدلية الوحدة والإنفصال” كمعادلة شائكة لم تفاوق المسرح السياسي والثقافي السوداني منذ الإستقلال وإلي اليوم، وكانت تمثل قضية “ساعة” ومحور مهم وأساسي في دفتر ماضي وحاضر الإنسان السوداني، فمشروع “السودان الجديد” طرح الوحدة علي أسس جديدة قائمة علي إحترام التنوع التاريخي والمعاصر وتحقيق السلام والحرية والديمقراطية وبناء موطن المواطنة بلا فرز ولا تمييز، وجاء طرح مشروع “السودان الجديد” عابرا للألوان والحدود الجغرافية والأديان وكل ما من شأنه أن يضع فوارق طبقية داخل المجتمع، وكان المشروع الأقرب لتوحيد الدولة السودانية التي عانت التفكك منذ الإستقلال، ولكن مع طرح الوحدة كخيار أول لدولة المستقبل كانت الحركة الإنفصالية تنمو وتتمدد وتبرز بين الفينة والآخرى متخذة في خطابها السياسي والثقافي أدوات كثيرة للتعبير عنها، فمن بين أدوات الإنفصاليين العزف علي أوتار التهميش الجنسي واللوني والديني والإقصاء السياسي سواء داخل التنظيم الواحد او الدولة، اما الدولة فقد كانت أوحادية الجهة وعنصرية الممارسة ومتسلطة بقوانينها الرجعية وقاهرة لكل السودانيين الذين يختلفون مع توجهات الحزب الحاكم، والتنظيم، ونقصد به الحركة الشعبية، باعتبارها التنظيم الطارح لمشروع “السودان الجديد” والأكثر تعرضا لجدل الوحدة والإنفصال، فالمطالبين بحق تقرير المصير لأجل الإنفصال ينطلقون من شعارات حقوقية كغلاف لمصالح ذات طوابع شخصية وسلطوية في الدرجة الأولى ولا صلة لها بالواقع السوداني، وهنا نتحدث عن حركة إنفصالية منفصلة عن الموضوعية حين نلقي نظرة فاحصة علي مطلب الحركة الشعبية بقيادة الحلو لتقرير مصير جبال النوبة او النيل الأزرق، نجدهم يطالبون بتحرير منطقة مساحتها أقل من خارطة السودان ولا توجد بها مقومات الدولة وشعبها قدم تضحية كبرى لتحرير كامل الأرض السودانية، وليس من المنطق إختزال رؤية “السودان الجديد” في دائرة ضيقة وتقزيم الحركة الشعبية بالتقهقر إلي المناطقية واللون والإثنية وإعادة إنتاج خطاب الإنقاذ لتقسيم الأرض والشعوب او خط وخطاب مجموعة “الناصر” وغيرها من الحركات الإنفصالية التي تتظاهر برفع راية “السودان الجديد” ولكنها في الواقع ترفع علم التقسيم الجديد، فسودان المليون ميل مربع لم يجد فرصة البقاء بسبب عراك وتناطح الإنفصاليين في المركز والهامش، وذات الخطاب الإنفصالي تجدد خلال جولات التفاوض بين الحركة الشعبية ونظام الخرطوم، حيث تعمد النظام إثارة خطاب التقسيم داخل الحركة الشعبية، وللأسف إلتقط بعض الرفاق ذلك الطعم ووقع إنشقاق هو الأكبر في تاريخ الحركة الشعبية منذ تأسيسها، ولم تفلح كل محاولات رتق الشق الذي حصل، وأصبح السودان أمام تحدي جديد يوازي ويساوي خطر وجود التنظيمات الإسلاموية المتطرفة، وهذا الوضع يحتاج لإعادة تفكير وتصويب النظر نحو ما هو موضوعي بعيدا عن التمترس حول مواقف لا يسندها المنطق علي أرض الواقع.

●لماذا الوحدة وفيما الإنفصال: للإجابة علي هذا السؤال؟

نحتاج لعامل التجرد الفكري والنظر بعين المستقبل وإستشعار المسؤليات التاريخية تجاه السودان وشعبه، فوحدة السودان وفقا لمبادئ وقيم “السودان الجديد” ستضمن ترابط وشائج النسيج الإجتماعي وتواصل الثقافات وتصالح الأديان، وتحقق العدالة الإجتماعية بضمان تساوي الحقوق السياسية والمدنية وبلوغ التوازن التنموي للريف والمدينة، والوحدة ستضع الدولة السودانية في قوائم الدول المتقدمة بالنظر لتعدد وتنوع ثرواتها الطبيعية والبشرية الهائلة، وجنوب السودان الذي ذهب وترك السودان مجبرا، في الواقع لم يبتعد عن السودان كثيرا، فما زالت هناك فرصة لبناء “إتحاد كنفدرالي” يجمع بين الدولتين لتحقيق التعاون السياسي والإقتصادي والأمني مع ضمان إستقلالية حكم وإدارة تحفظ حقوق وحريات الشعبين الشقيقين، ومن هنا يأتي الشق الثاني من السؤال؟ حول دعاوي الإنفصال؟ ويجب الإجابة بدقة حسب معطيات الواقع الموضوعي عن فيما يجدي الإنفصال والسودان كدولة ليست ملك لحكومة المركز الإقصائي العنصري الذي تهاوى مع هبة الشعب في كافة المدن والقرى، والدولة ليست حكرا بعد الآن لطبقة “الجلابة – البرجوازية الحاكمة” المسيطرة علي موارد وممتلكات الشعب عبر شركاتها المشبوهة، ولماذا لا نوفر فرص للحل الشامل الذي ينقل البلاد من الدكتاتورية إلي الديمقراطية ويعالج جزور الحرب والتهميش، وألا يمكن نقل قضايا الهوية والحقوق والحريات الإنسانية الأساسية وعلاقة الدين بالسياسة والدولة والمجتمع وتحديد أنظمة الحكم والإدراة خاصة فيما يتعلق بالحكم الذاتي “واسع الصلاحيات” للبلدان المهمشة وحسمها بمشاركة كافة مكونات الشعب في المؤتمر القومي الدستوري الذي سيكون من ضمن عملية إعادة هيكلة الدولة، فمسار الحل الشامل وبناء دولة المواطنة هو المخرج الذي سيهزم دعاوي الإنفصال لصالح الوحدة العادلة للسودان والإتحاد مع دولة جنوب السودان، ولم تكن الحركة الشعبية عبر تاريخها الطويل حقل لإنتاج الخطاب الإنفصالي بقدر ما كانت الأنظمة الحاكمة تنتج وتروج وتصدر خطاب الكراهية والإنفصال، والحركة بطبيعة تكوينها التعددي والمتنوع المنفتح علي الجميع عرضها للدخول في تجارب كثيرة مع الإنفصاليين، ولكن الملاحظ هنا انه كلما أفرز المركز او الهامش دعوة إنفصال برز الخطاب الفكري والسياسي الوحدوي للحركة الشعبية ليظهر المرتكزات الأساسية التي بنيت عليها رؤية مدرسة “السودان الجديد” الداعية لوحدة السودان علي أساس الإعتراف بالتنوع التاريخي والمعاصر وإحترام كافة حقوق وحريات الإنسان.

●إتفاقيات السلام 

تعتبر دولة السودان من أكبر دول القارة الافريقية التي شهدت علي مدار التاريخ الحديث حروب أهلية طاحنة في الأطراف وتوقيع عدد هائل من اتفاقيات السلام، وأكثر الإتفاقيات وقعت خلال عهد النظام الإنقاذي الإسلاموعسكري الذي كان يتعمد إجهاض مساعي السلام كلما شعر قادته بأن السلام قد يحدث تغيير ويسحب البساط من تحت أقدام الإنقاذيين، وهذه الإتفاقات واحدة من تجليات وثمار كفاح قوى شعب السودان في البحث عن دولة الحرية والسلام والعدالة، وكان مؤتمر المائدة المستديرة وإتفاق السلام الشامل أهم محطات كفاح السودانيين، فالأول وضع خطوط واضحة لحل مشكلة الهامش والمركز ونظام الإدارة والحكم وحقوق الشعوب والحريات العامة والخاصة وقضايا الهوية وغيرها، والثاني نقل كل تلك القضايا إلي طور التطبيقات العملية بضمانات محلية وإقليمية ودولية، وكان نص المشورة الشعبية من أهم النصوص القاضية بالإستفتاء لتحقيق الحكم الذاتي في النيل الأزرق وجنوب كردفان ومنطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، وتعتبر هذه الإتفاقيات مراجع لتأسيس السلام الشامل لما وجدته من إعتراف ودعم دولي، وقد أخذت هذه المراجع ضمن عدد من الإتفاقيات لضبط التفاوض الذي إستمر لـ( 15) جولة بأديس أبابا عاصمة أثيوبيا بين الحركة الشعبية ونظام الخرطوم بوساطة آلية افريقية رفيعة المستوى قادها السيد/ امبيكي، والتي لم تتمكن من الوصول لإتفاق سلام نسبة لتعنت النظام ورفضه الحل الشامل لقضايا الدولة السودانية، وعليه تم تعليق المفاوضات إلي حين إشعار آخر غير محدد التاريخ والمكان، ومع إنطلاق الإنتفاضة في السودان والتي شهدت مشاركة من كافة السودانيين باتجاهاتهم الجغرافية وتوجهاتهم الفكرية والسياسية ومجموعاتهم الشبابية والطلابية والنسوية وتجمعاتهم المهنية والمدنية أصبح من الواجب والضروري إعادة التفكير جيدا في كيفية تحقيق وحدة دولة السودان وإيجاد وسائل الإتحاد مع دولة جنوب السودان ووقف خط وخطاب الإنفصال ببرنامج جديد يضمخ جراح الماضي ويعيد ترميم البيت السوداني بحيث لا تقع الثورة في شرك قوى “السودان القديم” وتكون النسخ والتجارب مكررة، ولتحقيق كل هذه التطلعات يجب الوصول اولا إلي السلطة المدنية الديمقراطية الإنتقالية عبر التفاوض والإتفاق بين القوى الرئيسية في الساحة، ثم العمل بجد علي تحقيق تسوية تاريخية للسلام الشامل مع حركات الكفاح المسلح، والإعداد للمؤتمر القومي الدستوري بشكل أساسي بمشاركة كافة الشركاء وبعده التفكير في قيام مؤتمر للمصالحة والتعايش السلمي والمؤتمر الإقتصادي القومي ومؤتمر للعلاقات الدولية وغير ذلك من مستلزمات هيكلة الدولة وتحرير المؤسسات الوطنية لبلوغ موطن المواطنة بلا تمييز، ويظل “الحكم الذاتي” طريق حكم وإدارة سالك ولا يضر بالسودان وبل يؤدي إلي بناء الثقة بين السودانيين وينظم العلاقة بين المركز والهامش ويحقق العدالة الإجتماعية والثقافية والتنموية، فقضية الوحدة علي أساس عدالة الحقوق والحريات والواجبات تمثل الهم الأكبر للسودانيين، والثورة فرصة جديدة لا تعوض إنتظرها الجميع لإسترداد السودان والذهاب إلي المستقبل برؤية جديدة، هذه الفرصة يجب أن لا نفوتها بالتماطل والإنشغال في صراعات سياسية وإيدلوجية لا تخدم مصلحة الوطن والشعب، يجب أن نجعل تركيز الفكر في إتجاه تحرير البلاد وتحقيق سلام عادل وحرية كاملة وديمقراطية شاملة وأمن مستدام، وهذا الأمر يتطلب ترتيبات سياسية وإقتصادية وأمنية وإنسانية جديدة وسريعة جدا، والحل الشامل الذي لا يقسم القضايا او يجنب بعضها لإشعار أخر هو الطريق الأسلم للعبور إلي سودان حر وديمقراطي موحد يسع الجميع.

شارك على
Comments (0)
Add Comment