الإسلام السياسي -1 … بقلم: د. هاشم غرايبه
بعد قرون من حروب الأوروبيين للدولة الإسلامية، نجحوا عام 1924 من القضاء على الدولة العثمانية، آخر نسخة للدولة الإسلامية، وصمموا إثر ذلك على منع تشكيل الإسلام لكيان سياسي، لأنه العقيدة القوية التي جمعت العرب وأعزتهم، فكبحت الأطماع الأوروبية التاريخية في المنطقة.
جغرافيا قسموا أراضي الدولة العثمانية، وثقافيا أذكوا النزعة القومية لتكون بديلا عن الدينية، وفكريا أشاعوا العلمانية لعزل الدين وإبعاده، وسياسيا حددوا المهمة الأساسية لكل أنظمة (سايكس-بيكو) بمنع وصول جماعات اسلامية لمواقع التأثير.
من هنا نشأ تجريم إنشاء أحزاب إسلامية، فلجأ البعض الى تشكيل جمعيات خيرية كغطاء لعملهم الدعوي غير السياسي، وتمكن البعض في مصر من تجاوز تلك القيود بتشكيل ما دعيت جماعة الإخوان المسلمين، حصلت على الشرعية تحت هذا المسمى الدعوي، لكنه كان غطاء للعمل السياسي، ورغم أنهم بقوا تحت الحصار والملاحقة، إلا أن الجماعة توسعت وانتشرت خارج مصر، وأصبحت القوة السياسية الكبرى في كل الأقطار العربية، ولذلك نالت عداء باقي التنظيمات السياسية التي تقبلها الغرب كونها ترفض العودة للدولة الإسلامية.
أما الحزب الإسلامي الوحيد الذي تحدى الحظر فهو حزب التحرير، لكنه حوصر وقمع منتسبوه بكل قسوة فلم ينتشر، وظل يعمل تحت الأرض.
من خلال تجربتي في العمل العام كمستقل لا أنتمي الى أي من التنظيمات السياسية المطروحة، أمر طالما استوقفني، لماذا نرى من يسمون أنفسهم بالقوى الوطنية التقدمية (القوميين والماركسيين) يكنون كل هذا العداء للإخوان المسلمين؟، مع أنهم لم يوقعوا بهم ما يستحق لأن يثأروا لأجله، فلم يتسلموا الحكم يوما وبطشوا بأحد، فالتجربتان اللتان وصلا الى الحكم فيها عام 1952 وعام 2013 لم يكملوا فيها عاما، إذ تم الانقلاب عليهم من قبل من كانوا معهم، فتعرضوا هم التنكيل بهم.
المستقل يمتلك فكرا، لكنه لأنه يحترم أفكار الآخرين، لذا يستهجن هذا العداء الذي أوصلهم الى معاداة عقيدة الأمة (الإسلام)، وتمثلت في مناصرة عملاء الغرب من الحكام الطغاة، وتأييد حملة الغرب الأخيرة (الحرب على الإرهاب)، طمعا بالقضاء على من يتبنون الفكر الإسلامي ومنهم الإخوان المسلمين.
لذا فجذور هذا العداء، إما أنها تعود للتنافس التنظيمي، فيأملون أنه بإضعاف الإسلام يضعفون الإخوان.
أو أنها لتناقضهم الفكري مع الإسلام، فيعتقدون أنه بالبطش بالإخوان، يقطعون دابر الإسلام (السياسي).
بداية يجب ان أوضح المقصود بالإسلام السياسي، لأن معظم المعادين للإسلام جهلا به، أو فهمه بشكل خاطئ، أو تعصبا ضده، يعتقدون أنه يعني الإخوان المسلمين.
الإسلام أصلا منهاج سياسي اجتماعي اقتصادي شامل، وليس مُفصّلا على مقاس حزب، وما أنزله الله ليحبس في المساجد، ولا ليكون مجرد نصائح أخلاقية، بل هو عقيدة متكاملة الأركان، ومنهج حكم يضبط حياة الفرد والجماعة والمجتمع الإنساني ككل، وظيفته الأساسية تنظيم العلاقات بين الأفراد والمجتمعات وفق أسس ثابتة تسمى الشريعة، وتسعى من خلالها الى إسعاد الناس وربطهم ببعض بعلاقات الأخوة والمساواة والمحبة، وبيان الحقوق لإزالة العوامل المؤسسة للنزاعات.
أليس ذلك هو المفهوم الأشمل للسياسة؟، ولماذا وُجد الإسلام إن لم تكن هذه الأمور من اهتماماته؟، وماذا يتبقى منه إن نزعت منه هذه المهام؟
الإسلام كيان متكامل من المبادئ والتشريعات والآداب الناظمة لحياة البشر، من سياسية واجتماعية واقتصادية وأخلاقية، وبما أنه لا يمكن تطبيق ذلك إلا بسلطة حاكمة، لذا فالإسلام سياسي بامتياز.
كما أنه لا يوجد ما يسمى بالإسلام المعتدل والمتطرف، فالدين واحد وتشريعاته ثابتة حازمة لا مساومة فيها ولا محاباة ، من يتهاون أو يتشدد هو الإنسان في تطبيقه لها.
بالطبع لتبرير العداء للتنظيمات الإسلامية، يتهمهم المنافسون بالعمالة للغرب، لكن يكذب ذلك أن حماس منتج جماعة الإخوان، والجهاد الإسلامي منتج حزب التحرير، ومن المعروف أنهما ركيزتا الكفاح المسلح الحقيقي ضد الكيان اللقيط، فيما (يناضل) الآخرون بالشعارات فقط.
بعد أن تبين للغرب فشل كل إجراءاته لدحر الفكر الإسلامي، شن (الحرب على الارهاب)، فقتل من استطاع قتله، وأهدر دم كل من يطالب بإقامة دولة الإسلام، بأن اعتبره إرهابيا، وسن القوانين الأكثر وحشية في التاريخ، شُرّع فيها إعدام الشخص المسلم تحديدا، وبلا محاكمة لمجرد الشك في نواياه.
وهكذا دخل العداء للإسلام مرحلة جديدة، فبعد المحاصرة والتضييق، أصبح النهج استئصاليا.
وللموضوع بقية غداً بإذن الله.