حاملات القرابين بين جمال العالم الأسطوري وإشكالية الإفراط في التفاصيل

حاملات القرابين بين جمال العالم الأسطوري وإشكالية الإفراط في التفاصيل

أماني محمد صالح

 

 

يُعد عنوان «حاملات القرابين» مفتاحا مهما لفهم الرواية، فهو يثير منذ البداية أسئلة عن المرأة ودورها، وعن معنى التضحية وما يرافقها من أعباء. فـ«حاملات» تجعل المرأة في قلب الأحداث، بينما تحيل «القرابين» إلى عالم الأساطير والطقوس، حيث يصبح العطاء والتضحية ثمنًا لاستمرار الحياة .
حيث تنتمي الرواية إلى السرد الذي يستثمر الأسطورة والحكاية الشعبية، لا بوصفهما مادة تراثية جامدة، وإنما باعتبارهما وسيلة فنية لإعادة إنتاج الواقع وقراءته من منظور رمزي وفلسفي.
من البداية، تضعنا الكاتبة أمام عالم يتجاوز الواقعية المباشرة، عالم تتداخل فيه الأزمنة، وتعبر الشخصيات بين العوالم، وتتجاور فيه الحقيقة مع الأسطورة. ومن خلال هذا البناء، تصبح الحكاية والحدث وسيلة لطرح قضايا اجتماعية و سياسية كبرى تتعلق بالهوية، والسلطة، والمرأة،والتضحية، والحرية، والتمييز النوعي.
لقد نجحت الكاتبة في توظيف الأسطورة داخل البنية السردية بطريقة منحت الرواية أبعادًا جمالية وفكرية متعددة. فالأسطورة هنا ليست حكاية مكررة، بل لغة رمزية أعادت بها الكاتبة قراءة الواقع. لذلك نجد أن رموزًا مثل الرحلة، والنهر، والقرابين، والعبور بين العوالم، أصبحت جزءًا من نسيج الرواية، وأسهمت في بناء رؤيتها الفكرية.
ومن أبرز ما يميز هذا التوظيف أنه منح الرواية عمقًا دلاليًا، فلم تعد الأحداث مجرد وقائع متتابعة، بل أصبحت رموزًا مفتوحة على التأويل. كما وسّع أفق الخيال السردي، وربط بين الموروث الشعبي والواقع المعاصر، وأتاح للكاتبة تناول قضايا اجتماعية وسياسية وإنسانية بلغة غير مباشرة، بعيدة عن الوعظ والخطابة. ولهذا اكتسب النص طابعًا إنسانيًا يتجاوز حدود المكان والزمان، ليصبح أكثر قدرة على مخاطبة القارئ أينما كان.
غير أن القراءة تقتضي أيضًا الوقوف عند بعض الملاحظات.
ففي اغلب الفصول ، يبدو أن السرد يميل إلى التوسع في الوصف واستعادة التفاصيل، وهو ما يؤدي إلى إبطاء إيقاع الرواية. ففي عدد من المواضع، كان يمكن للاختزال أن يحقق الأثر الفني نفسه، دون الإخلال بالبناء أو المعنى. فالإيجاز في بعض المشاهد كان سيمنح الأحداث مزيدًا من الحيوية، ويجعل حركة السرد أكثر تماسكًا دون شعور القارئ بالملل
كما أن كثرة الانتقالات بين الحكايات والخيوط السردية، رغم انسجامها مع طبيعة الرواية الأسطورية، قد تمنح بعض القراء شعورًا بالتشتت، خاصة أولئك الذين يفضلون السرد الخطي والإيقاع المتسارع. ومع ذلك، فإن هذه السمة يمكن النظر إليها بوصفها خيارًا فنيًا ينسجم مع طبيعة العالم الأسطوري القائم على التشابك وتداخل الأزمنة والوقائع.
ومن هنا، فإن هذه الملاحظات لا تنتقص من قيمة الرواية، بل تشير إلى أن مزيدًا من التكثيف في بعض الفصول كان سيزيد من قوة النص، ويحافظ على ايقاعه السردي حتى الصفحة الأخيرة.
وفي الختام، يمكن القول إن «حاملات القرابين» تقدم تجربة روائية متميزة في توظيف الأسطورة داخل الرواية . فقد استطاعت زينب بليل أن تجعل من الموروث الشعبي فضاءً لإعادة التفكير في قضايا الإنسان والمجتمع، وأن تبني عالمًا روائيًا غنيًا بالرموز والدلالات.
رغم الملاحظات تظل الرواية عملًا لافتًا يستحق القراءة والنقاش، لأنها تؤكد أن الأسطورة ليست هروبًا من الواقع، بل قد تكون طريقًا أكثر عمقًا لفهم وطرح قضاياه
وأن الحكايات القديمة لا تزال قادرة على طرح أسئلة الإنسان المعاصر، وكشف هواجسه وآماله بلغة فنية تجمع بين المتعة والجمال وثراء التأويل.

شارك على
Comments (0)
Add Comment