الحياة مدرسة …. بقلم: د. هاشم غرايبه
في دخيلة كل شخص هنالك سلوكات يقوم بها تلقائيا، أو أشياء يمقتها أو يخافها، ولا يعرف لذلك مبررا مقنعا،
لو دقق وتعمق، لوجد أنها عائدة لعقد تكونت فترة الطفولة، وبعد أن كبر لم يجد الى التخلص منها سبيلا.
قليلا ما يلتفت الناس الى قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:” لا تكرهوا أولادكم على آثاركم ، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم”، وكثيرا ما تجد الوالدين يعتقدان أن مولودهما عجينة في أيديهما، يشكلانه على الوجه الذي يريدان، وما يريدانه بلا شك هو الأفضل، لذلك يظنان أنهما برسم حاضره ومستقبله، يفيدانه.
في الأزمنة الغابرة، كانت الحكمة محصورة في نفر قليلين في المجتمعات، ولما كانوا يستبصرون ما لا يقدر الآخرون على رؤيته، فقد اعتبرهم الناس عرّافين، فكانوا يقصدونهم ابتغاء الرأي والنصح، ومن هنا جاء المثل :” كانت النصيحة بجمل”، ويقال لمن يرفض النصيحة المجانية.
مع الزمن، انتشر التعليم وتطورت العلوم والمعارف، وأصبح كل امريء يرى نفسه للعلم مدينة، فلم يعد أحد يطلب النصح والمشورة من كبير ولا خبير، وما إن باتت المعلومة متاحة عبر الشبكة العنكبوتية، حتى صار المتصفح للناس أوثق من حكيم.
لعلها إحدى طبائع البشر أن لا يثق المرء إلا بتجربته الشخصية، وهي ليست مرتبطة بثقة المرء بامتلاكه الخبرة والدراية، بل تولد مع الطفل قبل نضج مداركه، فعندما تنهى الأم طفلها عن الإقتراب من شيء قد يلحق به الأذى، تجده يغافلها محاولا تجربة ذلك بنفسه، فإن حقق ذلك وناله الأذى ابتعد تلقائيا، وإلا سيعيد الكرّة المرّة تلو المرّة حتى تقنعه التجربة الذاتية وليست النصيحة.
عملياً، لا يبدأ بالاقتناع بالإستفادة من تجارب الغير إلا بعد أن ترتقي معارفه فيدرك أن للحكمة درجات.
يولد الطفل تحت وصاية والديه، يكبر وهو ضائق بهذه الوصاية ذرعا، ويتوق للتحرر منها، يبدأ ببناء خبراته الذاتية المدعمة بالتوجيه والإرشاد، ثم تكون تجارب الأقران مرجعا وثيقا، وقلما يعود الأبناء في سن المراهقة الى الوالدين أو معلميهم في استشاراتهم بل الى اصدقائهم الذين من جيلهم، والذين رغم أنهم يدركون قلة خبراتهم مقارنة مع أولئك الثقات الأكبر سنا، إلا أنهم يعتقدون أنهم يفهمونهم أكثر، لكونهم الأقرب عمريا.
من هنا نعرف لب القضية: إنه التفهم… وهو مفتاح الإقتراب وكسر حاجز الفارق العمري، ويتمثل ذلك في أن تسمع لإبنك مثلما تحب أن يستمع إليك، وتتبادل معه الحديث وكأنك من عمره، ولكي لا تشعره بفوقية (الأبوية) تطلب منه رأيه قبيل اتخاذك بعض قراراتك، ولو لم تكن بحاجة لذلك.
أما إن كانت العلاقة إرسال من طرف واحد، هنا يبدأ الإفتراق، ويصبح مشكلة إن أصر الوالدان على أن يكونا المرجع الوحيد لإبنهما، بذريعة الخوف من أقران السوء، لكنهما لا يقتنعان أنه ليس شرطا أن يكون الأقران سيئين، فللأقران أهل أيضا يعتقدون أنهم يربونهم خير تربية، ويخشون على ابنهم مثلما يخشون.
أكثر ما يفسد علاقة الولد أو البنت بأبويهم التسلط وإصدار التعليمات: إفعل ولا تفعل، فإذا كانت النصيحة المخلصة ثقيلة على المرء فكيف بالأمر والنهي!.
الوسيلة التربوية الأفضل من إعطاء التعليمات هي القدوة، فحينما يمارس الأب أو الأم في حياته اليومية ما يطالب به الآخرين، يحترمه الناس لصفاته الطيبة، ويحس الإبن بذلك من غير تذكيره فيصبح ذلك قدوة حسنة، وبسبب الاختلافات الفيزيولوجية والنفسية بين الذكر والأنثى، فعادة ما تولد هذه الوسيلة مفهوم المثل الأعلى للولد في أبيه وللبنت في أمها.
بهذه الوسيلة يمكن تجنب الجفوة التي ينتجها التسلط التربوي، وتنتقل الصفات الحميدة الى جيل الأبناء بسلاسة من غير ردود أفعال سلبية.
لذلك كانت أغلب نقائص المرء ومعايبه التي يحرص على إخفائها عن الناس، تعود الى أحداث في الطفولة حفرت في نفسيته أخاديد، ودائما ما شكلت عوائق هامة أمام تحقيق إنجازات كان يطمح لتحقيقها.
فليحرص المرء على صحة أبنائه النفسية بدرجة حرصه على صحتهم الجسدية.