آخر الأخبار
The news is by your side.

حاطب ليل  .. بقلم: د. عبد اللطيف البوني  .. أعيدوا التشخيص

حاطب ليل  .. بقلم: د. عبد اللطيف البوني  .. أعيدوا التشخيص

1
بعد ثورة أكتوبر 1964، كان في مقدور القوى التي قامت بالانتفاضة أن تجعل الفترة الانتقالية خمس أو حتى عشر سنوات، ولكنها رأت أن تكون سنة واحدة، فعادت الأحزاب التقليدية التي لم يكن لها يدٌ في الانتفاضة للحكم الذي انتزعه منها عبود.. نفس السيناريو حَدَثَ بعد انتفاضة أبريل 1985، حَيث خَشيت قُوى الانتفاضة من استمراء العَساكر للحكم وبدعم إقليمي، فكانت الفترة الانتقالية سنة واحدة، فَعادت ذات الأحزاب للحكم، وتطبيقاً للمثل القائل: (الضائق قرصة الدابي بيخاف من مجر الحبل).
رأت قوى انتفاضة ثورة ديسمبر الحالية أن تكون الفترة الانتقالية خمس سنوات (دورة برلمانية أو رئاسية كاملة) بحجة اقتلاع الدولة العميقة التي تَمّ حفرها في الثلاثين عاماً الأخيرة.
2
دعونا نفترض أن الفترة الانتقالية بعد الثورة الحالية جَعلت عَاماً واحداً كما جرت عليه العادة في الثورتين السابقتين، وأُقيمت انتخابات في أبريل 2020 فمن الذي سوف يفوز بها؟ من المُؤكّد أنّ قوى الانتفاضة لن تفوز بها، ولكن بتأكيد أكبر أن الحركة الإسلامية التي كانت مُنفردةً بالحكم ثلاثين عاماً لن تفوز بها، فلو نظرنا لكسب الجبهة الإسلامية في انتخابات 1985 وهو (54) مقعداً كان معظمها من دوائر الخريجين ودوائر العاصمة الجغرافية، فهل يُمكن أن تفوز بها الآن بعد هذه التظاهرات المليونية والفساد الذي كان سائداً والرؤوس التي في المُعتقلات والمحاكمات المتوقعة؟ ونسأل ثالثاً هل يمكن أن تفوز بها الأحزاب التقليدية تحديداً الأمة والاتحادي؟ في تقديري لن تفوز بها فهذه الأحزاب لم تعد مُتماسكة كما كانت، فقد تعرّضت لتشظٍ كبير، كما أنّ المُكوّن الطائفي فيها قد ضعف وأصبح طابعها أسرياً.
3
يبقى السؤال إذا أُقيمت انتخابات ليبرالية كاملة الدسم بدون دوائر خريجين أو أيِّ رُتُوش أخرى، ما هي الجهة التي سوف تفوز بها؟ في تقديري أنّ القوى التقليدية من غير الطائفية هي التي سَوف تكتسحها، فالاصطفاف في هذه الانتخابات سيكون قبلياً وعُنصرياً وجهوياً، حتى المُدن لن تسلم من هذا الاصطفاف الجديد، فأكبر جنايات الإنقاذ على السودان هو في سبيل حربها على الأحزاب والقوى الحديثة أيقظت القبلية والصراع الداخلي على السلطة فيها، أيقظ العُنصرية والانحياز الإقليمي (التضامن النيلي)، أيقظ الجهوية، فالمّشكلة الآن ليست مُشكلة الدولة العميقة، إذ لا تُوجد دولة عميقة أصلاً في السودان، إنّما المُشكلة في التشظي المُجتمعي الذي بدأ يتبلور، وإذا جاءت انتخابات فسوف تزيده اشتعالاً (عايرة وأدُّوها سوط).. فلو افترضنا أنّه تمّ الاتفاق على أن تكون الفترة الانتقالية الحالية خمس سنوات وأمضينها في مُحاربة ما يُسمى بالدولة العميقة، سنكون أمضينها في الهدف الخطأ، ومن أسميناهم بالدولة العميقة سوف يتوجّهون إلى المُجتمع ويكملون تشظيه.
4
مِمّا تقدّم، أجد نفسي مُتّفقاً مع الذين يرون ألا نستجعل الانتخابات ولتستمر هذه الفترة خمس سنوات وأكثر، ولكن الإشكالية هُنا كيف تكون فترة حُكم مدني بهذه المُدّة الطويلة دُون تفويض شعبي أي بدون انتخابات؟ هل نُسلِّمها للعساكر بحجة أنّ المُؤسّسة العسكرية تمتاز بالقومية بعد تجاربنا الثلاث معهم؟!
في تقديري، إنّ الحل يُمكن أن يكون في قانون انتخابات جديد، ويجب أن نتجاوز قانون الانتخابات المعروف (صوت لكل مُواطن) إلى قانون انتخابات نسبي يتم تفصيله بحِكمةٍ ودِقّةٍ بحيث يحمي بلادنا من التشظي الجهوي والعُنصري والقبلي، هذا القانون مَقْدُورٌ عليه وسبقتنا إليه دولٌ خشيت على نفسها مِمّا نحن فيه الآن.. فالمشكلة كيف نبيِّض النية ونُعلِّي المصلحة القومية ونُعاين لي قِدّام شوية..؟!

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.