آخر الأخبار
The news is by your side.

مكانة الغناء السوداني في العالمية…  بدر الدين العتَّاق

مكانة الغناء السوداني في العالمية
بدر الدين العتَّاق
أشير هنا إلى عُدَّة محاور أهمها : مكانة الغناء السوداني في الخارطة الغنائية العالمية ، وبالأخص الوطن العربي، ثم الغناء المناطقي الجغرافي ، والأداء الجسدي المصاحب للغناء، بجانب مواضيع أخرى اتعرض لها في حينها .
ما لفت انتباهي في هذا الموضوع هو جملة انتشار الأغنية السودانية في العالم العربي والغربي ورغم ذلك إلا أنَّه لم يأخذ حظَّه في القمة المتوقعة له لاعتبارات ثلاث أقلَّاها تمنحه تلك المكانة وهي : الكلمة الرصينة ، اللحن الرائع، الموسيقا المصاحبة ، هذه الثلاث نقاط يفترض أن تنافس بجدارة كل ما هو مسموع ومستهلك للأذن العربية والعالمية إضافة لطرح الفنان لنفسه مثقفاً فاهماً مدركاً بقيمة ما يقدمه من رسالة إنسانية واجتماعية وثقافية وسياسية سامية للغاية ثم شكله من حيث المظهر العام الخارجي مما يؤهله إجبار المتلقي احترامه في ذاته وبلده الذي جاء منه .
إنَّ المشاركات الفنية للفنان والمبدع السوداني عالمياً ومحلياً وإقليمياً هي التي أظهرت شكل الهُوْيَّة الوطنية السودانية في إحدى صورها العظيمة، ولنأخذ نماذجاً في ذلك ، ونضع في قناعتنا سبقنا المطربين العرب والجوار الأفريقي والغربي من قبل الفنانين والمبدعين السودانيين في القرن الماضي الذين يستحقون كل التقدير والاحترام بلا ريب.
النموذج الأول هو الفنان الكبير الراحل حمد الريح ( 1940 – 2020 ) ، هو أوَّل من غنَّى لشاعر العرب السوري نزار قباني في أغنية ” حبيبتي لو يسألوك عني ” وسبق بها الفنان الكبير الراحل عبد الحليم حافظ، الذي اشترك مع قباني في أكثر من عمل فني منها ” قارئة الفنجان ” لكن الإعلام العربي والغربي لا يقدم حمد الريح بأنَّه سابق لعبد الحليم حافظ بل يقنن الأخير على الأول لغلبة الآلة الاعلامية المصاحبة للأحداث وأخص بالذكر جمهورية مصر العربية ، وهذا إجحاف مقيت في حق وحفظ الحقوق الأدبية والفنية والفكرية والثقافية بكل تأكيد ، واعزي أيضاً السبب في قصور شأو الاعلام المحلي بتبني هذه الاسبقيات وإظهارها للعالم كما يفعل المصريون في حسن تسويق بضاعتهم في كل المجالات الحياتية.
لا شك عندي أنَّ هذه الكلمة بمثابة حافز للمهتمين من المسؤولين والمختصين بإبراز صوتنا في هذا الباب ، واذكر في لقاء مع الفنان الكبير محمد وردي أجراه الأستاذ طارق جويلي عن أسباب عدم انتشار الأغنية السودانية عالمياً فأعزى – رحمه الله – عدم قابلة المتلقي العربي للسلم الخماسي الذي يمتاز به الغناء السوداني مقابل السلم السباعي في الوطن العربي، وهذه نقطة فارقة في تذييل الهُوَّة بينهما في أُذن المتلقي أينما كان وتعود المسؤولية للقطاع الحكومي والخاص الاعلامي السوداني لتعريف العالم أجمع بماهيَّة دور الفن والفنانين السودانيين الذين يحملون رسالة إنسانية قيمة وأمانة فنية رائعة لهم جميعاً.
للفنان حمد الريح، عشرات المشاركات العالمية في المهرجانات الدولية كمهرجان المربد في العراق 1970 ممثلاً السودان وصنعاء اليمن عضو في الوفد الثقافي لليمن 1976 وندوة ابن رشيق 1981 ومصر 1981 ولقاءات تلفزيونية عديدة كالتلفزيون السوري وغيره ، وهو أحد منتسبي المعهد العالي للموسيقا والمسرح وإن كان تخرج في جامعة الخرطوم قسم مكتبات ، لكنه درس بشكل عام فنون العزف والغناء، ويمتاز حمد الريح بخفة الألحان وسلاسة التنغيم وحسن مخارج الحروف والمظهر الخارجي في الملبس ومع ذلك هو مثقف ويجيد التحدث في كل المواضيع ذات الصلة.
يضاف إليه أنَّه من أوائل الذين غنوا لشعراء عرب كالشاعر التونسي أبي القاسم الشابي ” اسكني يا جراح ” وعمل من ألحان الأستاذ / ناجي القدسي ، في قصيدة الدوش ” الساقية لسه مدوره ” وتعاون مع كبار الملحنين في الوطن العربي، وتعد إسهاماته عالمياً محل إكبار وتقدير في المحيط الأفريقي كإثيوبيا وتشاد ومصر وأغلب دول المنطقة، والآسيوي حينما غنت له الفنانة الكورية بالفرقة الكورية على خشبة المسرح أغنيته ( لو تعرف عيونك ، رقصت المشاعر وغنَّى وراها كون ) التي ألهبت الحس الجماهيري العالمي وصارت على ألسنتهم حتى يومنا هذا.
بهذه المناسبة، لن أستطيع أن أفِي كل الفنانين والفنانات الذين شاركوا عالمياً في هذه الكلمة المقتضبة حقهم الأدبي فليعذرني من نسيته، وأذكر بهذه المناسبة الأستاذ الكبير الفنان المبدع سيد خليفة ( 1928 – 2001 ) ، فقد طار بجناحين من إبداع وبحبوحة إلى فضاءات المتلقي الإنساني اينما كان، وبهذه المناسبة أيضاً سبق الفنان الكبير عبد الحليم حافظ في الذيوع والانتشار في المشاركات العالمية ويُذكر له تنافسية المسرح بالقاهرة حينما قُدِّم سيد خليفة على عبد الحليم حافظ في أغنية ” ازيكم كيفنكم ” والتي تفاعل معها الجمهور تفاعلاً غير مسبوق مما دفعه ليزيد بأغنية / إن لم تخني الذاكرة / ” البامبو السوداني ” ليقف له الجمهور مصفقاً ومتحمساً الأمر الذي دفع عبد الحليم حافظ ليقول كلمته الشهيرة ” الواد ده هياكل مني الجو ” ليقوم المشرفون على الحفل بإنزال سيد خليفة من المسرح لتنتهي وصلته.
سيد خليفة، اتجه من نمطية الغناء العاطفي للتغني بروائع القصيدة العربية المُقَفَّاة من عباقرة الشعر العربي القديم والحديث منهم على سبيل المثال قصيدة الشاعر الكبير إدريس محمد جماع ” انت السماء بدت لنا واستعصمت بالبعد عنا ” التي علَّق عليها الشاعر السعودي الكبير غازي القصيبي قائلاً : ( قائلها إمَّا عبقري وإمَّا مجنون ) قرأت هذا التعليق بمقدمة خطَّها المرحوم الشاعر القدير سيف الدين الدسوقي، لكتاب عن إدريس محمد جمَّاع للكاتب الكبير الأديب بروفيسور عبد القادر شيخ إدريس ابو هاله ( إدريس جماع – حياته وشعره ) سنة ١٩٨٣ ، ولجمَّاع وأبي هاله قربى ورحم موصولة كما الناصر قريب الله والحبر يوسف نور الدائم وآخرين، ينتمون للبيت الطَيِّبِي / أحمد الطيب / المعتق أصحاب الطريقة الصوفية السمَّانية بالسودان .
هذا ! كما تغنَّى للشاعر الكبير التجاني يوسف بشير ” قم يا طرير الشباب ، غني لنا غني ” المعروفة بــــــ ( انشودة الجن ) ذات النَّفَسُ الصوفي المُعَتَّق المعطر، وغنَّى أيضاً كما هو معروف للتيجاني يوسف بشير ، الفنان القامة عثمان حسين قصيدته الشهيرة ( النيل ) ” انت يا نيل من سليل الفراديس * نبيل موفق في انسيابك ” ، ولجمَّاع أيضاً نصيب وافر من الفرق الموسيقية آنذاك كفرقة نمارق التي تحول اعضاءها فيما بعد لفرقة عقد الجلاد ثم عهد الجلاد، غنوا له – أي قرقة نمارق – ” أمة المجد والمجد لها وثبت تنشد مستقبلها ” واسم القصيدة ” الفجر المرتقب “.
أسهم بشكل كبير ومباشر الراحل المقيم سيد خليفة في ذيوع الأغنية السودانية للعالم وأخص بالذكر اثيوبيا التي ما فتئت تتناول اغانينا بعامَّة وأغاني سيد خليفة وكابلي ووردي وغيرهم لشيء من التلذذ بالانتصار على اللسان الأفريقي عامَّة مفخرة ومحبة وأخذوا يتغنون فيها بجميل الأداء وطيب الألحان وحماسة المشاعر، مما زادوا بها تعريفاً على تعريف .
يذكر في هذا الباب الفنان الكبير محمد أحمد سرور ( 1898 – 1947 ) المدفون بأرض الحبشة ارتيريا – اثيوبيا – بمقابر الشيخ الأمين ، وعميد الغناء السوداني أحمد المصطفى الذي شارك كثيراً في المهرجانات المقامة بإثيوبيا مع عدد من الفنانين السودانيين منهم : حسن عطيه، وردي، كابلي، عثمان حسين، حمد الريح، خوجلي عثمان، عبد القادر سالم وآخرين ، كما أحمد المصطفى وكابلي سجلا في إذاعة صوت أميركا .
إنَّ محطة المشاركات العالمية محطة لا يمكن تجاوزها في خارطة الغناء السوداني بحال من الأحوال وهي التي لها قصب السبق في تخليد وتعريف الصوت السوداني عالمياً ومحلياً وإقليمياً وباقتدار وجدارة كما أسهمت بشكل واضح في نقل العقلية والنفسية المحلية للمتلقي ومستمع الفن الأفريقي تحديداً، مما يمكن أن يقال بأنهَّا غيَّرت في كثير من الأحيان طرق الاداء الوظيفي للمفردة واللحن والتطريب والموسيقا للفنان الأفريقي، وفي ذات السياق دعني افرد كلمة داخل هذه الكلمة لثلاثة من كبار الفنانين المبدعين السودانيين هم : محمد وردي، وعبد الكريم الكابلي، ومحمد الأمين، ودورهم في للفن المعاصر لدول العالم أجمع.
تجربة الأستاذ الكابلي
إنَّ تجربة الفنان الكبير عبد الكريم الكابلي ( 1933 – 2021 ) ، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس ، لهي تستحق أن يفرد لها مجلداً منفرداً لما قام به على المستوى الشخصي بالنسبة لنهضته بالتراث الشعبي الوطني فقد بالغ في الإخلاص ودقة الاختيار للنصوص الشعبية من حماسة كـــــ ” الشيخ سيروا ” أو ” خال فاطمة ” أو ” فرتيقة أم لبوس” وغيرها الكثير، ففي هذا الجانب، نقل الكابلي لا الشعور القومي المحلي للناس فقط بل نقل فكرة الحياة المختلفة في ربوع الوطن بشكل طاقة هائلة من الفن والإبداع فعرَّف بعضه واعرض عن بعض، لكن ما عرَّفه أكثر مما أعرض عنه بحكم الاختيار الأبرز في أسماع الصوت الشعبوي المقيم والوافد والمنتمي والمتلقي في آن واحد، مما يعتبر سابقة تخصصية فريدة في تقديري الشخصي، وبطبيعة الحال الفنان محمد الأمين ووردي وغيرهما ، لهما ذات الدور لكن كابلي دوره أجل وأخطر وترجع هذه التقديرات لطبيعة الشخصية لكل منهم والذوق المتحكم في لغة الاختيار للجمهور الخاص بكل فنان، هو في رأيي ما جعل كابلي قاعدته الجماهيرية أوسع من غيره بلا اقلال من شخص أحدهم بالتأكيد، في هذا الباب.
إنَّ إسهام كابلي عالمياً في نشر الثقافة العربية الإسلامية لهو محط اهتمام وإكبار وتقدير غير متناهي ولك أن تأخذ مشاركته في التغني لكبار الشعراء العرب قديما مثل أبي فراس الحمداني الذي غنَّى له ” أراك عصي الدمع ” وإن كان سبقته بها أم كلثوم لكن هو أدَّاها بطريقة مختلفة وأقرب للناس ثم ” نالت على يدها ” للشاعر العربي يزيد بن أبيه، كما غنَّى لعلي محمود طه ، رائعته ” الجندول ” ( أين من واديك يا مهد الجمال * موكب الغيد وعيد الكرنفال ) لتمزج بين الكلاسيكية العربية وبين الموسيقا السودانية وسبقه بها الفنان الكبير محمد عبد الوهاب، ولكل طريقته الخاصة في الاداء، وغنَّى للعقاد ، الأديب الموسوعي المصري العربي ” خذوا دنياكموا عنا فدنياواتنا كثر – خذوا الدنيا بأجمعها ، حبيب واحد ذخر ” حينما لم يغن للعقاد أي مطرب عربي، والشاعر الفلسطيني محمود درويش ” سجل أنا عربي ” وعلي شريحة ” شط البحرين ” والتونسي أبو القاسم الشابي وغيرهم الكثير.
الأمر الثالث، هو حسن التوظيف وروعة الاداء، فيمتاز كابلي بإجادته اللغة الإنجليزية التي كانت وثيقة الصلة به لصيقة القرينة التغني بها في المسارح المفتوحة عالمياً، للمتلقي غير العربي، وتشهد مسارح لندن وامريكا وغيرها بهذا الدور الطليعي له ، زد على ذلك، اجادته الحوار والكتابة والتأليف والحديث، فقل من فناني هذا الزمان إجادة لغة الكلام في وسائل الإعلام المختلفة بينما هو ثقة في ذلك، ساعده للغاية في رسم شكل حضاري حداثي ذي محتوى شعبي في العقل الجمعي العالمي للهوية الوطنية السودانية، وأنا ما زلت محتارا في حفظه ملحمة الشريف زين العابدين الهندي ” أوبريت السودان ” واداءه لها في خشبة مسرح قاعة الصداقة قبل خمسة عشر عاماً تقريباً، فهي طويلة للغاية ولها فصل باللغة الإنجليزية موسيقا وعزفا، فهو عبقري الفن والإبداع السوداني بلا منازع وبلا منافس.
يعجبني تغنيه برائعة الراحل الشاعر عمر الطيب الدوش ” سعاد ” ، ذات النمط المعروف عند العرب قديما بالشعر القصصي مثال: فيس ومجنون ليلى وحديثا أحمد شوقك بك في مسرحياته الشعرية ” كليو باترة ” وكذلك عبد الله الطيب في مسرحية ” نكبة البرامكة ” وغيرها .
الابيات التي غناها الأحباش في عيد والنبي صلى الله عليه وسلم يستمع إليهم في رواية معروفة، فهي تحكي واقعة سياسية اجتماعية معينة واداها كابلي بذات النسق المنسوق في السرد القصصي القديم والحديث.
الجدير بالذكر في هذه المناسبة هو الفنان المبدع أبو عركي البخيت ( 1960 ، مواليد ) ، لم أر قريناً يشابهه في التغني بالقصص الشعري في يومنا هذا، إذ له المقدرة على تحويل النصوص الشعرية القصصية إلى أيقونة مغنَّاه بواقع المقدرة على التطريب والحماسة، زد على ذلك شعبيته في هذا المجال التي تلهمه المزيد من حسن الاختيار نوعية ” بخاف ” للشاعر حسن السر، ” وعن حبيبتي بقولكم” و” نوارة يا بلورة ” ويمتاز بالصبغة الشعرية السياسية في كثير من أغانيه مثل الفنان مصطفى سيد أحمد.

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.