آخر الأخبار
The news is by your side.

بتول جنيد سورية تكتب عن السودان

بتول جنيد تكتب  عن السودان

خاطرة لفتاة سورية عن السودان

هل أنت سوادنية الأصل؟؟ ”
كثيرا ما سمعت هذا السؤال و ضحكت في سري لست سودانية لا أنا و لا أمي و لا أبي و لا جدي العاشر و لا جارة خالتي في الحارة القديمة و لا أذكر أنني صادفت أحدا كذلك ، لكنني في كل مجلس كنت أقف لأتصدى لكل التعليقات الساخرة مقصودة أو غير مقصودة و كنت أستبسل في ذلك ، و في كل مرة تساقط المطر فيها كنت أرقص نشوى كما تتراقص حبات الرمال في أزقة الخرطوم و أفرح كفرحة النيل إذا ما زاره ضيف السماء.

هل شممتم رائحة الخرطوم بعد المطر لتفهموا قصدي؟هل ذهبتم إلى المدرسة و أنتم تتنشقون عبق التراب الممزوج بعطية الله
إذن لن تفهموا ما أعنيه
هل علي أن أخبركم أنني رأيت الجمال هناك كما لم أره هنا ، و أن في بناتها السمراوات ما يفوقني و يفوق الكثيرات من البيض بمراحل
هل تتخيلون كيف يمتزج الكحل بالكحل ؟ أو كيف تتألق العيون الكبيرة الحوراء كما يتألق البدر في صفحة السماء؟؟
هل رأيتم مئة ضفيرة مغروسة كما باقة زهر في رحاب بستان ؟؟
هل شاهدتم سواعدهم و هي تزين نقوش الحناء
فالحلي تتزين بهم لا العكس
لم تروا و لو رأيتم لعرفتم ما أقصد

أتعرف أيها المتعجرف ذو البشرة البيضاء و العقل الخواء أنني وجدت هناك من أصحاب الوجوه السمر من يوزع أدبا و جمالا و دينا و علما و مالا عليك و على مئة من أمثالك
لا أنكر ضيق صدري حين أخبرني اهلي أننا مسافرون إلى هناك
في الشهر الأول من المدرسة كنت أتغيب كثيرا و أنام في الفصل كثيرا فالحرارة المرتفعة كانت كفيلة بذلك
و كنت لا أفهم من الكلمات سوى نذر يسير
و نادمة أنا الآن لأنني لم أعش ذاك الشهر كما الباقي
كنت محط اهتمام في المدرسة ، لم يتوان أحد عن مساعدتي

شهر و بدأت أتقن فنون التعامل ، تعلمت كيف السلام في السودان يكون
أعفاني الأساتذة من ترديد النشيد الوطني السوداني لكنني أصبحت أردده طوعا و فخرا و أعي كل حرف بين طياته
و أصبحت أفضل قول ” وب علي ” بدلا من ” ولي على قامتي ”
و صرت أجلس على التراب لأدرس مع صديقاتي
و لسن كالصديقات .. للمرة الأولى أجد من يستطيع أن يفهمني
من لا يحقد و لا يعرف اللؤم و لا الكره ..
أصبحت أتغنى بالنيل و أخطط لزيارة ود مدني في الإجازة
و أحتسي الشاي باللبن كل صباح

و أعرف كيف للزلابية من عند ” ست الشاي ” نكهة أحلى من كل حلويات الأرض
أصبحت أشتري الفولية و عيش الريف بعد المدرسة
و أتحلى بقصب السكر و أنا أدندن ” جناي البريدو ”
و أغني عند الملل (( حلات بلدي و حلات نيلا ))
تعجب أهلي لتبدل حالي و تعجبت أنا كيف لم أكن على هذا الحال من قبل
كنت مرة في نزهة مع صديقاتي
كنت مندمجة معهن أترغل السودانية و أتفاعل معهن بشغف شديد
أذكر أن مجموعة من الشباب السوري كان واقفا
و أخبرتني صديقاتي في ما بعد أنهم تهامسوا فيما بينهم ” فتاة سورية و الهيئة سودانية “

يبدو الموقف مثيرا للغضب لكنني شعرت بالفخر عوضا عن أن أغضب
لكن اعذروني لأنني لم أستسغ ” الحلو مر ” ليس لشيء إلا أنني أؤمن أنه لا يمكن لشيء لديكم أن يكون مرا
كيف للمرء أن ينسى وطنا عاش فيه .. عاش في كما عشت أنا بين ربوعه و عرفت تفاصيل حضارته و عاداتها و تقاليدها
كيف لي ألا أبكي و أنا أذكر كيف ودعت أهلي هناك و أستحضر و أحصي الدمع الذي ذرفته و لم أذرف مثله في عمري قبل
لم و لن تعرفوا و لكم الحق في ذلك
أما الذي أعرفه أنا أن لي بلدا آخر كان فضله علي كبيرا لن أنساه ما عشت دهري .
و الذي لن يعرفه العالم أجمع كيف لتلك الوجوه السمراء أن تحمل قلوبا لا يشوبها سواد
إن كانت السودان قد حرمت من هطلات الثلج ، فذلك لأن الله قد وضع الثلج النقي الأبيض هناك
في اليسار من صدورهم

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.