سيك سيك في بلاد التشيك
سيك سيك في بلاد التشيك
بقلم: جعفر عباس
زرت تشيكوسلوفاكيا مع عائلتي، وللوصول من مطار العاصمة براغ الى موقع الشقة التي استأجرناها بمساعدة سودانيين مقيمين في المدينة، كان لابد من ركوب قطار الأنفاق، وفي المحطة الأخيرة كان علينا استخدام سلم كهربائي هو أطول ما رأيت في حياتي، وحلفت ام الجعافر بالطلاق إنها لن تلقي بنفسها الى التهلكة باستخدام ذلك السلم. طيب يا حاجة ما العمل ولا سبيل للخروج من المحطة الا باستخدام السلم؟ قالت: نمشي المطار ونرجع قطر، ولكن سيدة سودانية كانت في استقبالنا مع زوجها، أقنعتها بأن تتوسطنا انا وهي خلال رحلة الصعود، فتراجعت عن الطلاق، فوضعناها “بين قوسين”، وصعدنا بها وهي تولول: ووب علي.. ثم تخاطبني: ما عافية ليك، جبتني هنا يا أبو عين زايغة عشان تكتلني وتعرس خواجية كافرة.
في قلب براغ (أهلها يسمونها “براها”) هناك ميدان فاتسلاف الذي يعج بآلاف الخلق، وفي ذات جولة في الميدان ضاعت منا ام الجعافر فطفت والعيال جميع ارجاء الميدان المزدحم ولم نعثر عليها، فقلت للعيال: احسن نقيف في نقطة معينة وهي أكيد بدورها تبحث عنا وستعثر علينا، فصاحت مروة: عاوز ماما تروح؟ لو أنت ما عاوز ماما انا بفتش عليها. وكان شعار العائلة في طفولة مروة انه لا صوت يعلو على صوتها، فواصلنا التجوال والبحث عنها، ثم رأيت ولدين وبنتين عليهم “الغبشة الما بتغباني”، وهم بدورهم اتجهوا نحونا هاشين باشين، وسلام بالأحضان وأبلغناهم بأمر المفقودة فطلبوا مني “وصفها” فقلت لهم باختصار: لابسة توب نسائي سوداني، فقالوا: هانت. وانطلقوا في الميدان، وبعد دقائق كانوا قد عثروا عليها.
من براغ انطلقنا الى كارلوفيفاري وهي مدينة صغيرة فوق السحاب تقام فيها مهرجانات السينما العالمية، وتضم ميدان قاقارين (اول رائد فضاء في التاريخ وهو روسي الجنسية) وفي ذلك الميدان عدد كبير من حنفيات المياه الجوفية، وما يخرج من كل حنفية له طعم ودرجة حرارة مختلفة: هذه لعلاج ارتفاع ضغط الدم، وتلك لمن عانوا من انسداد الشرايين، وثالثة للامساك، وهكذا، وعلمنا بأمرها من شخص سوداني حكى لنا كيف انه عانى من نزيف بسبب قرحة المعدة في السودان، تفاقمت بسبب شرب “العرقي”، ولم يجد علاجا ناجعا لحالته فقدم الى تشيكوسلوفاكيا، وكان نزيل المستشفى طوال شهر كامل دون ان يتوقف الألم او النزف، وسمع بمياه كارلوفيفاري فهرب من المستشفى وصار يشرب من الحنفية المخصصة لمرضى القرحة طوال خمسة أيام أحس بعدها بالراحة التامة، وقال إنه قرر بعدها البقاء في تشيكوسلوفاكيا، وأنه صار “يجغم” عرقي الخواجات ويشرب من تلك الحنفيات مرتين في السنة ب”قلب جامد”.
ثم كانت الرحلة الجوية الى بيشتني التي تعرضت فيها ل”البشتنة” في سلوفاكيا حيث طلبوا مني دخول المنتجع الصحي مجردا من الملابس، وركبنا طائرة تتسع فقط لستة ركاب، صعدنا اليها بسلم حديدي عادي، ودخلناها من مؤخرتها وكأنما الطائرة دجاجة يتم حشوها بالبشر، وعندما بدأت تتدحرج تأهبا للطيران ثم إغلاق باب المؤخرة بترباس عادي، وطوال الرحلة كنت قد قرأت كل ما تختزنه ذاكرتي من آيات قرآنية.
أدهشني سعر السلع شديد الانخفاض في براغ، ودخلت “برايار” أكبر متجر للملابس ووجدت البدلة الكاملة بسعر البنطلون في الخليج، فاشتريت منها “كمية”، قشرت بها على مدى سنوات، وما زال بعضها اليوم بصحة جيدة (بالمناسبة فإنني ما زلت احتفظ بالبدلة التي ارتديتها يوم حفل زواجي من سعيدة الحظ).
![]()