تأملات قرآنية … بقلم: د. هاشم غرايبه
تأملات قرآنية … بقلم: د. هاشم غرايبه
يقول تعالى في الآية التاسعة من سورة الصف: “هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ”.
كما جاءت هذه الآية بحرفيتها في سورة التوبة الآية الثالثة والثلاثين.
لكي نعرف الحكمة من هذا التكرار الفريد نعود الى السياق الذي جاءت فيه في كل سورة.
في سورة الصف سبقتها الآية: “يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ”، وجاءت في سياق تكذيب بني إسرائيل لرسالة المسيح عليه السلام ولبشراه إياهم بالرسالة الخاتمة.
أما في سورة التوبة فقد سبقتها آية مشابهة لكن باختلاف في الصياغة: “يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ”، وجاءت في سياق اتخاذ اليهود والنصارى أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله.
فلنتأمل في هذا الفارق:
في الحالة الأولى جاءت (ليطفئوا) أي أن إرادتهم كانت باتخاذ بني إسرائيل الوسائل المؤدية لإطفاء نور الله المتمثل بهداية البشر بالرسالة الخاتمة، والوسائل هي التكذيب والتحريف.
في الثانية: أن يطفئوا تعني تنفيذ الإرادة، لأنها زمنيا متأخرة عن الحالة الأولى التي رافقت بداية دعوة المسيح، أما الثانية فقد كانت بعد انتشار النصرانية واتفاقها في الهدف مع بني إسرائيل في محاربة هذه الرسالة.
لذلك جاء الرد الإلهي على الحالتين واحداً: إنه متم نوره ولو كره الكافرون، واعتبر الله هؤلاء كافرين، رغم أنهم يدّعون أنهم مؤمنون، لأنهم حرّفوا كتبه وعصوا رسله، فلم يعد لإيمانهم به من قيمة.
نخلص أنه كان هنالك تكذيبان الأول من بني إسرائيل لدعوة المسيح لهم لاتباع النور الذي سيأتي على يد أخيه محمد عليهما السلام، والثاني عند ظهور الدعوة فعلا واجتمع أتباع الرسالتين معا على تكذيبها.
لذلك جاءت هذه الآية مرتين، ولتؤكد أن ماجاء به الرسول الخاتم هو الدين الحق، ووعد تعالى أنه سيظهره على الدين كله، ولم يقل (الأديان)، بل لم تأت لفظة الدين في أي موضع في القرآن إلا بصيغة المفرد، ليكون ذلك دلالة قاطعة بأنه ليس هنالك أديان سماوية متعددة، فالدين واحد.
لذلك فباطل ما يعقد بين الحين والآخر، مؤتمر هنا وهناك تحت عنوان: الحوار بين الأديان أو الوئام بين الأديان، وما الى ذلك من مسميات لا تهدف أساسا للحوار وتقريب وجهات النظر، بل لترسيخ الفكرة أن هنالك أديان متعددة، لكل منها نهج مختلف فبعضها تسامحي وبعضها إرهابي، وبسبب أن المنافقين لا يوجدون إلا في أمتنا، فيساعدهم هؤلاء للتعتيم على النصوص الكثيرة الداعية للعنف في الكتاب المقدس والتركيز على أن القرآن بدعوته الى مجاهدة الكافرين والمشركين فإنه يدعو للقتل والتنكيل، وبالتالي فهو ارهابي.
ما يثبت ذلك هو أن هذه المؤتمرات تعقد بشكل مكثف في الدول العربية والإسلامية، وليس في دول الغرب ولا الشرق، لأنهم يريدون إقناعنا نحن بالتخلي عن التمسك بالإسلام الذي يعتبرونه رسخ كراهيتنا للبشر وولعنا بالقتل، وبالطبع من ينظمها هم من أبناء جلدتنا الذين هم إما معادون لمنهج الله فيتطوعون، أو يستأجرونهم لتنفيذ مآربهم، بإغرائهم بالمال أو بالبقاء في السلطة.
منطقياً، لا يمكن للإله الواحد أن ينزل على البشر أديانا متعددة ويقول لهم اختاروا ما شئتم، لكن الأصح أنه أنزل دينا واحدا، إنما على مراحل زمنية متعددة على يد رسل متتالين، لكن جعل لكل منهم شرعة ومنهاجا ليسير عليه قومهم الى حين نزول الرسالة الختامية واكتمال الدين نهائيا، وبعدها لا يعود من حاجة الى رسالات أخرى.
لذا فالدين الكامل المكتمل هو الرسالة الأخيرة.
بعد أكتمال الدين، لا يجوز العودة الى الخلف، وما نشهده هذه الأيام من الإعلان عن فتح الباب للناس من كل الملل للتفرج على البيت الحرام سياحة وليس لعبادة الله، ما هو إلا بهدف هدم أهم ركن من أركان عقيدتنا والعودة عنها الى ما قبلها، وبهدف نقض عرى الدين عروة إثر عروة.
وجاء ذلك بعد انتهاء الحملة العسكرية (الحرب على الإرهاب)، التي شنها علينا تحالف أعداء منهج الله التاريخيون ذاتهم: المشركون (الإمبرياليون) والكفار (الصهيونيون) والمنافقون من بني جلدتنا (الأنظمة العلمانية العربية)، واعتقادا منهم أنهم قد أوهنوا عزيمتنا.
فلماذا نهن لهم ونحزن على ما أصابنا ونحن الأعلون!؟.
![]()