تأملات رمضانية … بقلم: د. هاشم غرايبه
تأملات رمضانية … بقلم: د. هاشم غرايبه
أكمل مع دروس أخرى مستفادة من قصة التحاق موسى عليه السلام بالعبد الصالح التي وردت في سورة الكهف، ليتعلم منه علما لم يؤته الله إياه، وهو العلم اللدنيّ: “آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا”.
الدرس الخامس: في قصة قتل الغلام، فقد أراد الله تعالى أن يبين لنا من خلال إيرادها، أن أثمن ما يناله الإنسان من النعم في هذه الدنيا ليس المال والولد، كما نعتقد، بل هو الإيمان والعقيدة، وفي الحفاظ عليهما تهون كل خسارة مهما عظمت، لذلك فمن رحمة الله بالناس أنه يحفظ عليهم دينهم، وكل خسارة دون ذلك يعوضها الله، فلأن الله علم أن هذا الإبن متجه حتما الى الضلال عندما يكبر، وسوف يقوم بأعمال سيرهقهم التوفيق بين تحملها وتقبلها وبين المحافظة على تقواهم، ويعلم أن الغلبة ستكون لخسارة التقوى، كون عاطفتهما كإبن وحيد ستكفل التغطية على أفعاله الطالحة، لذلك فمن مصلحتهما تغييبه من حياتهما قبل تفاقم الضرر.
السادس: في هذه القصة أيضا أراد الله أن يطلعنا على الحكمة من أخفاء الأقدار عنا، فلو أتيح الخيار للوالدين أن يختارا قتل ابنهما أو خسارة دينهما، لكان الإختيار قاسيا عليهما، ولن يكون في صالح اختيارهما الدين حتماً، لذلك جنبهما الله هذا الإمتحان الصعب واختار لهما الأفضل، والذي هو رغم قسوته وصعوبة تقبله إلا أنه في النتيجة سيكون لصالحهما ورحمة بهما في المحصلة وليس قسوة، سيما وأنه سيبدلهما خيرا منه وأقرب اليهم رُحما، وقد خلق نعمة النسيان لكي يتحمل المرء المصائب ولا يهلك حزنا على ما فات، لذلك فمن أهم حسنات الإيمان أنه يطمئن المرء على أن قدر الله كله خير، وإن عدم إطلاع المرء على ما غُيّب إنما هو رحمة به، وذلك مصداقا لقوله تعالى: “وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” [البقرة:216].
السابع: في مجريات الأقدار، لنعلم أن كل ما هو مكتوب علينا، فيه حكم بالغة، وتسير الأحداث المتقاطعة وفق برنامج مرسوم، وليست كما يعتقد الجاهلون: “رَأَيْتُ المَنَايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصِبْ تُـمِتْهُ وَمَنْ تُـخْطِىءْ يُعَمَّرْ فَيَهْرَمِ”، لذلك فليس الموت والحياة عرضيا أو خاضعا للعشوائية، والقرار فيه خاضع لإرادة الله فقط، لأنه الباريء وهو الذي يتوفي الأنفس عند موتها، لذلك اعتبر قتل النفس من أكبر الكبائر، فمن أودع الروح في الجسد هو الوحيد الذي يملك إزهاقها، ولأنه الحكيم العليم فلا يصح التعدي على سلطته إلا بأمره: “وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي “.
والدرس الثامن: في أدب الحديث عن الله جل وعلا، فقد قال الرجل الصالح مفسرا لموسى عليه السلام أفعاله الثلاث، إن الإرادة فيها جاءت على أوجه ثلاثة: في الأولى (أردت) والثانية (أردنا) وفي الثالثة (أراد)، وتفسيرها كما يلي:
ففي مسألة خرقه السفينة قال: “فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا”، فنسب الفعل الذي ظاهره تخريب وإيذاء إلى نفسه، ولم ينسبه الى الله إجلالاً وتعظيما، رغم أنه أمر منه تعالى.
وفي قتل الغلام قال: “فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ”، وبذلك جمع الإرادتين معا، فإرادته تنفيذية واختصت بالقتل فقط، وإرادة الله عطاء فيهبهما إبنا غيره، لكن الفعلين متلازمان فجمعهما معا في إرادة واحدة.
والثالثة في قصة إقامة الجدار المتداعي، فقال: “فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا” فنسب الإرادة في الفعل الى الله سبحانه وتعالى وحده، لأن الرزق والعطاء أمر منوط بالله تعالى. فتأمل دقة القرآن الفائقة، وعمق الدلالات المعبرة.
![]()