نَكًزة : جسرُ الأكاذيب… حين تعود أوروبا بثوب الإغاثة وسكين التقسيم
- نَكًزة : جسرُ الأكاذيب… حين تعود أوروبا بثوب الإغاثة وسكين التقسيم
بقلم: الصادق إسماعيل علي
لا يزال السودان يقاتل، وبضراوة، دفاعًا عن شعبه وأرضه ومقدراته، بل عن وجوده ذاته. ولا يزال المتآمرون عليه يبذلون كل شيء — نعم كل شيء — في سبيل كسر هذه الإرادة، أو الالتفاف عليها، أو تمزيقها قطعةً قطعة.
وفي مقدمة هؤلاء يقف الاتحاد الأوروبي؛ هذه العجوز الشمطاء التي عاشت — على مدى ثلاثة قرون أو يزيد — على نهب مقدرات الشعوب، وإخضاعها، وإبادة من قاومها.
فإما استعمار مباشر، أو سرقات على رؤوس الأشهاد، أو احتيال مقنّع، أو تجنيد عملاء من أبناء تلك الشعوب أنفسهم وتنصيبهم حكامًا… تعددت الأدوات، والجوهر واحد.
اليوم، تعود أوروبا إلى عادتها القديمة، ولكن بثوب جديد:
“جسر جوي إنساني”، ودموع تماسيح تُذرف فجأة على أهل دارفور.
وهنا يفرض السؤال البريء نفسه:
أين كنتم — أيها الإنسانيون — والمليشيا المتمردة تسحق أهل دارفور في الجنينة، وفي الفاشر، وفي غيرها، حتى حدود الإبادة الجماعية والتطهير العرقي؟
أين كنتم والمليشيا تحاصر مدن الإقليم، وعلى رأسها الفاشر، لأكثر من عامين، حتى الموت جوعًا ومرضًا، وتغلق الطرق أمام الفارين من جحيمها؟
أين كنتم والمليشيا تستورد المرتزقة من أصقاع الأرض، ليشاركوا في سحل أهل دارفور وتهجيرهم؟
اليوم فقط — حين دان الأمر عسكريًا للتمرد — يُعلن فجأة عن جسر جوي للإغاثة، موجه — ويا للمفارقة — إلى دارفور التي خلت من سكانها، بعد أن أُفرغت بالقوة، وحل محل أهلها غرباء ومرتزقة وعرب شتات جُلبوا من كل مكان.
ليست المسألة إنسانية، ولا الجسر جسرَ رحمة.
إنه جسر مؤامرة. هذا الجسر ليس إلا دعمًا لوجستيًا وعسكريًا مموّهًا للمليشيا المتمردة، وخطوة جديدة في مشروع قديم: تقسيم السودان. كما فُصل الجنوب من قبل، يُراد اليوم فصل دارفور، وغدًا الشرق، حتى يُمحى السودان من خارطة العالم، دولةً وشعبًا وهوية.
لسنا سذّجًا لنعيب على الدول سعيها وراء مصالحها؛ فذلك من طبيعة السياسة.
لكن العار كل العار أن يكون بعض أبناء السودان لعّاقي أحذية الأعداء، وخدامًا تحت أقدامهم، ومعاول لهدم وطنهم، وتمزيق بلادهم، وتشريد أهلهم.
فليعلم الأعداء في الخارج، والعملاء المأجورون في الداخل، أن إرادة الشعب السوداني لن تنكسر، ولن تلين له قناة، ولن تُسلَّم الرقاب للذبح.
سيقاتل السودانيون دفاعًا عن أنفسهم، وعن دمائهم، وأعراضهم، وأرضهم، وأموالهم، ومقدراتهم، وسيادتهم، وكرامتهم، ووجودهم…
حتى النصر، أو الشهادة.
ما يُسوَّق على أنه “إغاثة” ليس إلا نسخة جديدة من الاستعمار القديم.
والسودان، الذي أسقط مشاريع أكبر من هذا، لن يُخدع بجسرٍ من الأكاذيب.
![]()