الحركة الشعبية في ذكراها الثالثة والأربعين: قراءة صفحات الكفاح ورؤية السودان الجديد
الحركة الشعبية في ذكراها الثالثة والأربعين: قراءة صفحات الكفاح ورؤية السودان الجديد
بقلم: سعد محمد عبدالله
تُعد الحركة الشعبية لتحرير السودان واحدة من أبرز حركات الكفاح الوطني في تاريخ السودان وإفريقيا، إذ تأسست في السادس عشر من مايو عام 1983م تحت قيادة الدكتور جون قرنق دي مبيور وعدد من القيادات السياسية والعسكرية، إنطلاقًا من مدينة بور في جنوب السودان، حاملةً مشروع “السودان الجديد” بوصفه رؤية سياسية وفكرية تقوم على قواعد بناء دولة المواطنة المتساوية والحرية والسلام والعدالة الإجتماعية، وهو ذات الفضاء القيمي الذي تعمل في إطاره الأمم المتحدة، التي إتخذت من يوم 16 مايو من كل عام يومًا عالميًا للعيش معًا في سلام، وقد مثلت الحركة منذ إنطلاقتها تحولًا عميقًا في بنية الصراع السياسي السوداني؛ فقد تجاوزت تعقيدات خطاب المركز والهامش التقليدي، وطرحت تصورًا جديدًا لوحدة السودان على أسس التنوع والتنمية المتوازنة للريف والمدينة والديمقراطية العادلة، وخلال سنوات الحرب الطويلة، قدمت الحركة آلاف المقاتلين والشهداء الذين ضحوا من أجل تحقيق هذا المشروع، وظلت تخوض نضالًا سياسيًا وعسكريًا معقدًا وسط تحالفات متحركة حتى توقيع إتفاقية نيفاشا للسلام عام 2005م مع الحكومة السودانية، وقد شكّل هذا الإتفاق آنذاك محطة مفصلية في تاريخ السودان الحديث، إذ أوقف أطول حرب أهلية في القارة الإفريقية، وفتح الباب مشرعًا أمام مرحلة سياسية جديدة كان يُؤمل أن تقود إلى سودان جديد وموحد قائم على الشراكة الوطنية والتعدد والمواطنة بلا تمييز.
شهدت مرحلة تنفيذ إتفاقية نيفاشا توترات سياسية حادة بين الشريكين، حيث تصاعدت الخلافات حول قضايا السلطة والثروة والتحول الديمقراطي، وتنامى الخطاب الإعلامي والسياسي التنافسي والعدائي بصورة إنعكست سلبًا على مستقبل الوحدة الوطنية، ومع إقتراب موعد إستفتاء جنوب السودان أصبحت النزعة الإنفصالية أكثر حضورًا داخل جنوب السودان وشماله نتيجة تراكمات الحرب وإنعدام الثقة بين الطرفين، لينتهي الإستفتاء بتصويت أغلبية الجنوبيين لصالح الإنفصال، وبعد قيام دولة جنوب السودان، كان من المنتظر تنفيذ المشورة الشعبية في جنوب كردفان والنيل الأزرق وفقًا لنصوص الإتفاقية، إلى جانب مواصلة الحوار السياسي والعسكري بين الحكومة والحركة الشعبية-شمال لضمان الإستقرار والعمل على ترسيخ مبادئ حسن الجوار والتعاون بين الدولتين لخدمة مصالح الشعبين شمالًا وجنوبًا، وقد شهدت تلك الفترة توقيع الإتفاق الإطاري المعروف باتفاق “عقار ـ نافع”، والذي كان يمكن أن يفتح نافذة جديدة للحل السياسي، إلا أن النظام الحاكم وقتئذٍ قرر التراجع عنه وإلغاء ترتيباته قبل التنفيذ، لتعود البلاد مجددًا إلى دائرة الحرب في جنوب كردفان والنيل الأزرق؛ كما أقدمت السلطات حينها على إغلاق مقار الحركة الشعبية-شمال وإعتقال عدد كبير من قياداتها وكوادرها، ورغم أن الإعتقال كان تجربة قاسية للغاية، فإن الحركة إستفادت من تلك المرحلة في خوض تجربة جديدة من النضال السياسي والعسكري وسط ظروف معقدة ومشحونة بالإستقطاب.
مع إندلاع الثورة السودانية المجيدة دخلت الحركة الشعبية مرحلة مختلفة من العمل السياسي، حيث إستخدمت أدواتها في الكفاح وشاركت جماهيرها وعضويتها بفاعلية واسعة في الحراك الشعبي الذي قاد إلى إسقاط النظام السابق، وشهد ميدان الإعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة لحظة تاريخية مهمة جسدت وحدة السودانيين حول شعارات الحرية والسلام والعدالة وبناء سودان جديد؛ غير أن المرحلة الإنتقالية التي أعقبت سقوط النظام سرعان ما دخلت في دوامة مظلمة من التجاذبات السياسية والصراعات الأيديولوجية الحادة التي نشبت بين مكونات قوى الثورة والتغيير، خاصة مع إتجاه بعض القوى إلى إحتكار السلطة وإبعاد حركات الكفاح المسلح عن مراكز إتخاذ القرار في دولة ما بعد الثورة، وقد أدى الضغط السياسي والجماهيري لاحقًا إلى فتح منبر تفاوض في جنوب السودان إنتهى بتوقيع إتفاق جوبا لسلام السودان بين الحكومة وعدد من الحركات المسلحة، ورغم أهمية الإتفاق في إيقاف الحرب ودمج القوى المسلحة في العملية السياسية وفق معايير محددة، فإن الخلافات داخل قوى الثورة بشأن قضايا الإقتصاد وإصلاح مؤسسات الدولة وطبيعة الإنتقال السياسي ظلت تتصاعد بشدة، الأمر الذي جعل مسألة الإستقرار السياسي والأمني بالغة التعقيد، وأدى في نهاية المطاف إلى تفكك الشراكة السياسية بين أطراف الحكم الإنتقالي.
في ظل تلك التحولات المتسارعة على المسرح الوطني، تبنت الحركة الشعبية-شمال نهج الحوار السياسي لمعالجة الأزمة الوطنية القائمة، وسعت مع قوى وتنظيمات أخرى إلى دعم المبادرات السلمية ومنع إنزلاق البلاد نحو الحرب؛ بيد أن تصلب المواقف السياسية وتصاعد وتيرة التحالفات العسكرية قادا السودان إلى أحداث الخامس والعشرين من اكتوبر التي تلاها إندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، وهي الحرب التي وضعت البلاد أمام أخطر تهديد لوحدتها وإستقرارها وتماسك شعبها منذ عقود خلت، وفي تلك اللحظة التاريخية إختارت الحركة، كأول تنظيم سياسي سوداني، الإنحياز كليًا إلى ضفة الدولة السودانية والوقوف إلى جانب القوات المسلحة ضمن معركة الدفاع عن وحدة السودان وسيادته الوطنية، في مواجهة الإنتهاكات الواسعة التي تعرض لها المدنيون والبنية التحتية ومؤسسات الدولة؛ كما أكدت الحركة إستمرارها في النضال السياسي والعسكري إلى جانب قطاعات واسعة من السودانيين الرافضين لمشروعات التقسيم والتدخلات الخارجية، وخلال هذه الرحلة الطويلة والمليئة بالتحديات، إستطاعت الحركة أن تحافظ على توازنها وحضورها داخل المشهد السياسي والإعلامي السوداني، وأن تعيد التموضع وفق متغيرات الواقع، مستندة إلى رؤية “السودان الجديد” باعتبارها مشروعًا وطنيًا وُضع بعناية لبناء دولة تقوم على العدالة والمواطنة والسلام والشراكة بين جميع مكونات الشعب السوداني.
ختامًا، نقف اليوم مع أنفسنا وقفة تأمل في مسيرتنا مع مدرسة سياسية وفكرية تعلمنا فيها آداب الرفقة وفنون الكفاح الثوري التحرري، وفي الذكرى الخامسة والأربعين لميلاد الحركة نشعل شمعة جديدة على طريق النضال المفتوح من أجل بناء سودان جديد، ونتقدم بأصدق التهاني والتحايا النضالية إلى جميع الرفاق والرفيقات في مختلف مواقع العمل السياسي والتنظيمي، وإلى جماهير الحركة الحالمين ببزوغ فجر وطن جديد؛ فقد ظلوا أوفياء لقيم الحرية والسلام والعدالة والوحدة على أساس التنوع رغم تعاقب الأزمان وتراكم الأزمات وتضاعف التحديات؛ كما نحيي بإجلال ذكرى الشهداء الأبطال الذين قدموا أرواحهم دفاعًا عن قضايا الوطن وحقوق الشعوب في الكرامة والمساواة، ونؤكد أن تضحياتهم ستظل منارة للأجيال في رحلتها نحو مستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا، وتمثل هذه المناسبة فرصة وطنية للحوار السياسي والفكري بغية إستعادة روح الوحدة والتماسك الوطني وتجديد الإلتزام بالنضال السلمي والسياسي من أجل بناء دولة المواطنة التي يتساوى فيها الجميع دون تمييز أو إقصاء تحت أي عنوان، ونبعث كذلك بتحية رفاقية لكل القيادات التاريخية والشباب والنساء الذين حملوا راية الكفاح في أصعب الظروف وأسهموا في حماية المشروع الوطني للحركة الشعبية وسط التحولات الكبيرة في الساحة السودانية، بوصفه مشروعًا يسعى إلى ترسيخ السلام والديمقراطية وصيانة وحدة السودان وسيادته الوطنية وتحقيق التنمية العادلة للريف والمدينة.
![]()