آخر الأخبار
The news is by your side.

 نور على نور … بقلم: د. هاشم غرايبه

 نور على نور … بقلم: د. هاشم غرايبه

كثيرا ما تسمع من ينادي بالعودة الى الدين كحلّ لكل مشكلاتنا الراهنة، ويرد عليهم آخرون بأن الحل ليس في زيادة التدين، لأن نسبة المتدينين في المجتمع عالية جدا، مقارنة بالسنوات الماضية، بل هم في تزايد مستمر، بسبب نمو الوعي وتقدم العلم، لدرجة أن الملحدين باتوا ندرة، ومحددين في فئات يعيشون ظروفا خاصة، لكن المشكلات في تزايد.

الحقيقة الملموسة أنه قبل خمسين عاما كنت لا تجد في المساجد إلا بعض المسنين، لكنك الآن بحمد الله قد لا تجد مسجدا إلا عامرا بالمصلين الذين غالبيتهم من الشباب، لكن قلة منهم حققت صلاته مرادات الله من فرضها على المؤمنين، فصلاح الأخلاق نسبيا في تناقص، حيث تفاقم ما نعاني منه من أمراض مجتمعية تقادم عليها الزمن فباتت مزمنة، وأدمنت الأنظمة السياسية إهمال معالجتها فغدت مستعصية.

لأن الله يحب الإنسان، لذلك كان هو المخلوق الوحيد الذي حباه بالعقل، ليكرمه بالدين، لأن الدين ليس مهارة فيكتسب بالتدرب، ولا هو عادات تنال بالمحاكاة، بل استيعاب وفهم يتحقق بالعقل.

لما وصلت البشرية في نضجها العقلي وإدراكها المعرفي الى تلك المرحلة التي يمكنها استقبال الدين واستيعابه، أنزله على مراحل طوال قرون، واستكمله نهائيا بالرسالة المحمدية.

إن الدين هو أهم ما أنعم الله به على البشر، فهو وحده يحقق أهم هدفين يسعى لهما البشر:

1 – تحريرهم من الاستعباد: وسيلته الى ذلك تعريفهم بالخالق، فهو المتفرد بالألوهية، الصمد في الوحدانية، فلا عبودية إلا له، لذا فلا يسود أحد أحدا، لأن الجميع عبيده وفي قبضته، وبما أنه تعالى رب الناس جميعا ومالك أمرهم والمتصرف الأوحد في جميع شؤونهم، فلا يسألون أحدا سواه، ولا يرجون خيرا من غيره، لذلك فليس لأحد من البشر إدعاء التفضل عليهم ولا التصرف بأمورهم بخلاف ما يريد، وعليه فالناس متساوون لا يتعالى أحد على أحد بانتمائه أو لونه أو عِرْقِه.

2 – تنظيم أمور حياتهم من أجل إسعادهم: والوسيلة هي تعريفهم بأصول الدين وأحكام الشريعة، لبيان تفصيلات الحقوق والواجبات والفصل في الخصومات والخلافات، ووضع حدودا تمنع التجاوزات.

بهكذا تبسيط نتوصل الى أن هذا هو الدين ومراميه، وتلك هي فلسفة أحكامه.

قد يقول معترض: وأين العبادات؟ أليست هي الهدف من الدين؟، وما تفسيرك لقوله تعالى:” وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”؟.

يقول الشيخ “الشعراوي” رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة، ان العبادة المقصودة هنا هي علة الخلق، لكن الله تعالى لا يحتاج الى تعليل فعله، فوجوده سابق لوجود المخلوق، لذا فإن العبادة هنا هي لمصلحة المخلوق، وليست لمصلحة الخالق، أي أن المنتفع بهذه العبادة هو الإنسان، ولو كانت العلة الوحيدة لوجود الإنسان هي التعبد، لكان خلقه على شاكلة الملائكة، ومن هنا جاء في الأثر أن الله يباهي ملائكته بالعبد التائب، لانه تعالى يرضيه أن يُقبل العبد إليه طائعا مختارا وبوحي من عقله وفهمه، ويغضبه تعالى أن لا يستعمل المرء هذه المنحة الغالية (العقل) ليستدل به على معرفة الخالق، لأن النتيجة الحتمية لاستخدام العقل هي المعرفة، والتي تتحقق كمنتج للتفكر في كل ما حول الإنسان من الموجودات، وفي جسم الإنسان ذاته، والتوصل الى أنها مخلوقة بصورة فائقة الدقة والتنظيم والكمال في الأداء، وذلك يؤدي الى الاستنتاج بأن خالقها كامل المعرفة والحكمة والقدرة، ومن ذلك تستخلص صفاته الحسنى الباهرة مقارنه بقدرات الإنسان المحدودة، لذلك يُقدّر العاقل تلك النعم التي حباه الله بها بصورة محبة الخالق، و محبة الأدنى للأعلى خلاصتها العبادة.

إذاً معرفة الله تؤدي الى العبادة، والعبادة ليست حاجة للمعبود، بل للعابد، لأنها تنتج الصلاح.

إن تأدية العبادات لا يكون مقبولا إن لم ينتج تقويم السلوك وضبط الأفعال ضمن ضوابط الشرع، والمؤدية الى استقامة الفرد وبالتالي صلاح المجتمع.

لذلك رُبِط ذكر الله بالتقوى، والصلاة بالنهي عن الفحشاء والمنكر، والصيام بالكف عن أذى الناس.

إن العبادات التي لا تحدث أثرا إيجابيا في أخلاق الفرد، لا نفع منها، كمثل من يقود حافلة للنقل العام، لكن أبوابها معطلة لا تفتح، فلا يصعد بها أحد، تروح وتجيء بلا منفعة لسائقها ولا فائدة للركاب.

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.