آخر الأخبار
The news is by your side.

 موقف عمومي … بقلم: د. هاشم غرايبه

 موقف عمومي … بقلم: د. هاشم غرايبه

تتسم مجتمعاتنا العربية المعاصرة، بحالة فريدة من عدم الثقة بين مختلف مكوناتها سواء كانت بين مؤسسات أو جماعات أو أفرادا.

تجد شخصا يتبرم من هذا الزمن الذي ينعدم فيه الخل الوفي ناسيا أنه أيضا خليل لآخرين، والموظف يشكو من قلة الشهامة من زملائه لرفضهم إقراضه رغم أنه يعرف أنه لم يكن يوما دائنا بل مدينا، أما الموظفة التي تخرج قبل انتهاء الدوام وهي تأمل أن تغطي عليها زميلتها بحجة الذهاب الى الحمام، تنسى أنها تلقي بالحمل كله عليها.

كل أولئك يطلبون حقا ليس لهم، ويحملون الآخرين جريرة عدم نيله، بل ويعتبرون مطالبهم محقة بحجة أن “الناس للناس” وانه سيأتي يوم تحتاجني، لكن الحقيقة المرة أنه في هذه الحياة أناس اعتادوا العطاء يحبون أن تكون يدهم هي العليا، وآخرون اعتادوا أن يبقوا دائماً في موقع الأخذ، وسيجدون ألف عذر لكون يدهم هي السفلى.

حتى على صعيد الحياة اليومية تجد مراجعا لطبيب يلتقي في العيادة بآخر، يسأله عن علته، ويسارع الى نصحه بأن علاجه موجود في وصفة شعبية مجربة، فيترك وصفة الطبيب التي دفع من أجلها الكشفية، ويتبع الوصفة الشعبية.

وآخر كلف مهندسا بعمل مخطط لبناء بيت، ينصحه عامل البناء بأن يعدل في التصميم، فيسارع الى الأخذ برأيه غير عابئ بحسابات المهندس المدروسة.

وكثيرا ما تصادف شخصا يهرول لشراء ثلاجة من نوع معين، فتسأله عن اختياره هل جاء بناء على بحث مقارن في مختلف الماركات حتى وجد ضالته تلك، فيقول لك لا ولكن جارنا نصحني بها، ويمضي في عملية الشراء بكل ثقة، غير منتبه الى أن جاره ربما لم يجرب ماركة أخرى حتى يكون حكمه صحيحا.

هذا على مستوى الأفراد، أما إن صعدنا الى مستوى الجماعات، فستجد أن سكان الحي لا يثقون بالبلدية، ويظنون أنها تؤثر عليهم حيا آخر، أو أن رئيس البلدية لا يسعى إلا الى المنفعة الشخصية، الناس لا تثق في الاحزاب وتعتبر منتسبيها طالبي شعبية وطامحين للحكم، أعضاء الحزب لا يثقوا بقدرات قيادييهم ويعتقدوا بانهم ممالئون للسلطة، امناء الأحزاب لا يثقوا بالحكومة ولا يصدقوا وعودها، الحكومة لا تثق بالبرلمان وتتملق أعضاءه بمعسول القول فيما تضمر أشد الخصام.

تفسير هذا السلوك الجمعي يكمن في فهم البعد السيكيولوجي الاجتماعي، وفي طبيعة اتساق السلوكات وفق منظومة من الشد من جهة الى القيم والتقاليد المتوارثة، مثل المقولة السائدة: “اسال مجرب ولا تسأل حكيم” بينما تناقضها من جهة أخرى القيم الجديدة المكتسبة من الشعوب الأخرى، بحكم الاحتكاك اللصيق بقيمهم، من خلال التعارف الذي سهلته وسائل النقل الحديثة والاتصالات، ومن خلال وسائط التواصل الإجتماعي والأفلام والمسلسلات، التي ولدت الذاتية وعقدة الشك بالآخر.

على أن هذه الممارسات لم تشكل الى الآن خطورة على الأواصر والروابط الاجتماعية، بسبب من قيم الخير والصبر والتسامح التي رسختها تعاليم الدين، فلا تجد أحداً يحاسب الناصح أو يلومه اذا لم تفد نصيحته، كما أن النتيجة الخاطئة تشطب من سجل التجارب من باب الصفح.

لكن المستوى الأخطر هو الثقة بين الحاكم والمحكوم، بين الدولة والمواطن، إذ أنها تنخفض الى مستوى متدن مع مرور الزمن، فقد صبر المواطن طويلا على الفساد آملا أن يرتدع الفاسدون وأن تتوقف الدولة بصورتها العميقة عن دعمهم والتغطية عليهم، تحمل المواطن سوء الادارة وقلة الخبرة طويلا بانتظار أن تتعلم أجهزة الدولة العميقة بالتجربة والخطأ، اتسع صدر هذا المواطن وغفر لقيادته الخطيئة الكبرى بالانسحاب من مجابهة العدو عام 1967 بلا قتال، ولم يطالب بمحاسبة أحد ولا حتى بمراجعة أسباب الهزيمة، رغم أنها شكلت أكبر كارثة على الأمة، ما زالت تعاني من آثارها.

ترى ما سر هذه الحالة ؟؟

وهل يمكن لعلماء النفس الاجتماع ايجادعطاءنا تفسيرا علميا لسلوك المواطن العربي المتناقض هذا، حينما لا يثق بحسن نية الآخر ولا يتسامح مع هفوة بسيطة فتندلع الاشتباكات بالاسلحة النارية على إثرها فتسيل الدماء وتزهق الأرواح، وفي الوقت نفسه تراه زاهدا في نيل حقه العام، متهاونا في الدفاع عن مقدراته، متسامحا مع ناهبي الأوطان ..؟؟!! .

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.