آخر الأخبار
The news is by your side.

 خاطرة … بقلم: د. هاشم غرايبه

 خاطرة … بقلم: د. هاشم غرايبه

في عام 1927 ألقى الفيلسوف البريطاني “برتراند راسل” محاضرة بعنوان: “لماذا لست مسيحيا”، وفيها يبين قناعاته الإلحادية، ورغم أن “ت.س. اليوت” فند أقواله واتهمه بالعاطفية المجافية للمنطق الفلسفي، لخلطه بين الله والكنيسة، إلا أن الملحدين والى اليوم يعتبرونها مرجعا لأفكارهم وسندا لحججهم.

مشكلة الملحدين هو التعالي اعتقادا منهم بأن عقولهم أرفع من العقل المتدين، مع أنهم لا يملكون دليلا واحدا على أن الإيمان بالله يحبط قدرات العقل على التفكير الحر.

لذلك فما ميز معتنقي الفكر الإلحادي على الدوام، هو سهولة إطلاقهم للأحكام، وإكسابها درجة القطعية عندما تتعلق بالدين، بتناقض مثير للدهشة مع منهجهم العقلي في الحكم على قضايا أخرى.

في محاضرته تلك، يبتدئ “راسل” – ككل السابقين واللاحقين ممن يتبنون هذا الفكر – بتقرير جملة آراء يعتبرها مسلمات، فلا يبذل جهدا في محاولة إثباتها، وبناءً عليها يبني استنتاجاته.

لنتأمل في الأسس التي يبني عليها تقديمه لآرائه، وهي:-

1 – إن التصور الإلهي بكامله مستوحى من الدكتاتورية الشرقية القديمة.

2 – في الكنيسة نسمع أشخاصاً يحتقرون أنفسهم وينتقصون من قدراتهم ويصفون حالهم بأنهم مذنبون وخطاؤون، إن هؤلاء الأشخاص لا يستحقون مني أي احترام.

3 – لا يحتاج عالمنا إلى تكبيل العقل وتصفيده من أجل بضعة كلمات جمعتها بعض العقول الجاهلة في الماضي السحيق.

في النقطة الأولى يلغي فكرة الدين بطوباوية لا يجرؤ عليها حتى الجهلة، وبلا أي دليل، وباتهام الأنبياء بأنهم منتج الديكتاتورية، مع أنه ثابت تاريخيا أن الطواغيت كانوا على الدوام معادين للدين، كما أنه لم تسجل لأي نبي ممارسة من هذا القبيل، فكان أسلوبهم على الدوام النصح والإرشاد.

في الثانية يُحقّر أسمى الأفعال الإنسانية على الإطلاق، وهي الإعتراف بالذنب، والتي هي الخطوة الأولى للتصحيح، المؤدية الى صلاح الخلق والممارسة، صحيح أن الكنيسة حولت الفعل النبيل الى ممارسة طقوسية مفرغة من المعنى، لكن مبدأها الديني قبل تحريفه هو إصلاح النفس المنحرفة بعينه.

أما في الثالثة فهو ينحدر من منزلة الفيلسوف الى غوغائية الجاهل، ويناقض نفسه حينما يقول بعد حصوله على جائزة نوبل للسلام عام 1950: “لقد قرأت عن الإسلام ونبي الإسلام فوجدت أنه دين جاء ليصبح دين العالم والإنسانية، فالتعاليم التي جاء بها محمد والتي حفل بها كتابه مازلنا نبحث ونتعلق بذرات منها وننال أعلى الجوائز من أجلها”.

سأكتفي بهذا الرد المختصر على أهم أفكار هذا الفيلسوف الذي يحتفي به الملحدون كونه من أهم شيوخ طريقتهم، تاركا للقارئ الحكم على هذه الفقاعات الضخمة الفارغة المسماة فلاسفة الإلحاد.

وسأناقش الفكرة الرئيسة التي يحومون حولها على الدوام وهي: إذا كان الإله هو من أوجد الكون فهل أوجد نفسه؟

الفلسفة أصلا تنبني على الجدلية وهي طرح الفكرة ونقضها الى حين الوصول الى ما لا يمكن نقضه، في االتجريبية العلمية يتحقق ذلك بالإثبات الحسي والدليل الملموس، أما الفلسفية النظرية فلا يشترط الإثبات المادي بل الإستنتاج المنطقي.

لذلك في مسألة وجود خالق مُنشئ، فالبحث يتعدى قدرات المخلوق لأنه مُنشأ، وبما أن الخالق هو المالك لإرادة الخلق فإنه إذا لم يودِع في المخلوق قدرة الإحاطة به، فلا يمكنه أن يصل الى ذلك.

وقد ثبت منذ القدم أنه لم تثبت رؤية إنسان للإله أو إدراكه حسيا، لذا فهو خفيٌّ عن قدراتنا، وبالتالي لا يمكن بحث أية مسألة متعلقة بماهيته وكينونته، فالمنطق يتوقف عند حافة الإدراك، وهذه حدود العقل.

الإجابة لا تتحصل في هذه المسألة فلسفيا إلا بالجدلية، أي بنقض البدائل، هنالك ملايين الدلائل تتحقق من ملاحظة التنظيم والتنسيق في هندسة الكون مما ينقض فكرة العشوائية، والتماثل في التركيب للمخلوقات الحية مما ينقض فكرة الصدفة في نشوئها، كل ذلك دليل على وجود قوة منشئة ضابطة.

من يرفض ملايين الأدلة تلك، نحن نكتفي منه بدليل واحدٍ على عدم وجود الله!؟.

أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.