جماليات الجملة الاستهلالية”في الرواية
جماليات “الجملة الاستهلالية” في الرواية
بقلم.. صلاح القويضي
كنت قد “وعدت” بتناول “جماليات” الجملة الاستهلالية في رواية “إيقاع العودة” للروائي الشاب عوض جبريل وها أنا أحاول أن افي بوعدي رغم الظروف الضاغطة.
الوصول إلى “الجملة الاستهلالية” يعنى أن “العنوان” قد أنجز مهمته الأولى في “إغواء” القارئ وحفزه للولوج في عوالم العمل السردي. وهو بذلك يوكل مهمة “الإغواء” بالقراءة، التي هي أهم سمات “الأبداع” الناجح، إلى “الجملة الاستهلالية”. من بعد “العنوان”، فإن جملة الافتتاح السردي هي التي تحدد، لمدى كبير، قرار الاستمرار في القراءة أو إعادة “الرواية” إلى الرف.
واستنادًا لمعايير منهجنا النقدي الذي يستند إلى “ما يتوقعه القارئ” نرى أن جملة عوض جبريل الاستهلالية قد استوفت لحدٍ معقول شروط المقدرة على “الإغواء” المفترض أن تتوفر في كل جملة سردية افتتاحية. وتتبدى أول “علامات” ذلك الاستيفاء في “نسق العنونة الداخلية” الذي اختاره الكاتب حين سمى جملته الافتتاحية تلك “طقس الحضور”. منذ “طقوس في الظلام” للروائي كولون ويلسون، وربما قبل ذلك في السرديات الميثولوجية الإغريقية والمصرية، ظلت “الطقوس” عنصر “جذب” يشد البشر للقراءة، لاستكشاف ما في العالم من غموض وللحصول على إجابات لأسئلة الوجود الدائمة والمستجدة. فما بالك إذا كان ذلك الطقس “طقس الحضور”؟
ورغم أن الجملة التالية “وصفية”، والوصف أضعف حلقات السرد، إلا أنها جاءت “مشبعة” بالفعل، الذي هو سداة “الحكي” في السرد، لتضيف المزيد من عناصر التحفيز من خلال تراكيبها اللغوية ومفرداتها:
(ظلام كثيف يطوق خاصِرة هذا المساء المغلف بالسواد الذي يلف كل شيء، المدينة ما زالت غارقة في صمتها الأزلي وانكمشت حول نفسها وبدت أشبه بسيمبيريا المدينة الإغريقية الأسطورية التي لم تر النور، وأضحت كأنها في عزلة وانقطاع تام عن العالم
بصمة سكون عميقة مختومة بحبر الصمت على جوف الليل. قطرات مطر تتدفق على مهل في عرض النهر، هل ما زلت أحلم وأحلم…).
وولوج “المعازل” كان وما يزال، من أهم محفزات قراءة الأعمال السردية. فما بالك إذا أضيف لتلك لعزلة ذلك “الصمت والليل والنهر والمطر والحلم؟ بالنسبة لي، لم أستطع أن أقاوم، فاتخذت قراري الحازم بمواصل القراءة والولوج في ذلك “المعزل” المحفوف بالصمت والليل والمطر والحلم.
وتمضي جملة عوض جبريل الاستهلالية لتصل بنا إلى ما يشبه تقنية “الرواية عن الرواية” حين يقول:
(وقفت عند شرفتي المطلة على الأفق الفسيح استنشق بعمق رائحة الأشجار والأزهار المغسولة بزخات المطر.. ضوء الفجر الناصِع ينبلج وينساب عبر النافذة، أمسكت بالورقة والقلم وكتبت بقية نص مؤجل لبعض الأفكار التي تسللت إلى ذهني في تلك اللحظة …).
من لم تتملكه الرغبة في التعرف على ذلك “النص المؤجل” فليتحسس ذائقته “السردية” … أو فليرمني بحجر من أحجار “نقد النقد” الطالبية “نسبة للناقد الوصفي أبو طالب محمد”
افتتاحية رواية إيقاع العودة:
طقوس الحضور
(ظلام كثيف يطوق خاصِرة هذا المساء المغلف بالسواد الذي يلف كل شيء، المدينة ما زالت غارقة في صمتها الأزلي وانكمشت حول نفسها وبدت أشبه بسيمبيريا المدينة الإغريقية الأسطورية التي لم تر النور، وأضحت كأنها في عزلة وانقطاع تام عن العالم.
بصمة سكون عميقة مختومة بحبر الصمت على جوف الليل. قطرات مطر تتدفق على مهل في عرض النهر، هل ما زلت أحلم وأحلم…
سرب حمام أبيض يحلق في الأفق اللازوردي ويراقب تفاصيل ذلك المشهد. جسدي خفيف يعلو ويهبط كالريشة في كبد السماء. يتصبب ماء من جسدي كأني خارجة لتوي من عمق النهر. أتحسس ببطء قسمات وجهي بأطراف أصابعي حتى أطمئن أنني خرجت من ذلك الحلم.
عيناي تائهتان في الفراغ الليلي وتحملقان في الظلام الحالك وتبحثان عن بقعة ضوء وسط تلك العتمة.. الليل ما زال سيد الموقف يمارس طقوس سكونه الأزلية بشهوة عالية ومزاج رائق، وترانيم الصمت في الغرفة تعزف ألحان الخرس الأبدي على مسرح الفراغ.. كان الهدوء يعم المكان لدرجة يمكن أن أسمع دقات قلبي بصورة واضحة … عقارب الساعة تمضي بانتظام وتصدر صوتاً رتيباً ملت الأذن من سماعه المتكرر.. بدأت الصور والمشاهد تتضح شيئاً فشيئا وأصبحت أتمعن في سقف الغرفة الغارق في متاهات البياض..
تناهى الى سمعي صوت مقطوعة سوناتا ضوء القمر لبيتهوفن منبعثة عبر زوايا الغرفة، فعلمت أن الساعة الخامسة صباحاً موعد استيقاظي المعتاد من النوم. صوت ريح خفيفة تسرب عبر النافذة المطلة على الحديقة المجاورة.. تفاصيل كثيرة وذكريات تنساب حولي وتحوم في الفراغ الشاسع بلا تردد، تتداخل المشاهد والأفكار في مخيلتي والهواجس تتقافز حول ذهني.. وخز الألم يذكرني بوجوده داخل جسدي في كل ثانية. حاولت بجهد أن ألملم بقايا جسدي المنهك بالتعب وشعرت بصداع حاد ورغبت بتناول فنجان قهوة..
كانت المدينة قد خرجت لتوها من فصل الشتاء البارد، وودعت حالة البياض التي عمت كل جزء فيها بعد انتهاء تلك الفترة المحملة بالثلوج، لم يتبق في ذاكرة الناس سوى مشاهد متفرقة للأطفال الصغار وهم يمرحون ويتراشقون بكرات الثلج منذ الصباح حتى المساء، يصنعون من الثلوج تماثيل وأشكالا مختلفة.. لا شيء يوقفهم عن اللعب سوى التعب. سرحت مع تقلب الفصول والطبيعة الساحرة التي كنت أتأملها كأني أراها للمرة الأولى..
تنساب موسيقى مقطوعة الدانوب الأزرق ليوهان شتراوس.. موسيقى عذبة تتسرب داخل الروح وتمنح النفس إحساساً مريحاً وبهيجاً يعطر عبق المكان بكل جمال وألق، يختلط المشهد برائحة الألوان وطعم الذكريات وسيرة الحنين الذي لا ينضب حتى تكاد الروح أن تصل ذروة النشوة والسعادة القصوى، عند أول تباشير الفجر لمحت اللوحة المعلقة على الجدار.. ضوء ينسكب على وجه ذلك الأسمر ذي القامة العالية وهو يحدق بعينيه في العوالم البعيدة كأنه يبحث عن سر لم يجد له جوابا على كوكب الأرض.
بالقرب من تلك اللوحة مشهد آخر لفتاة جالسة تحت شجرة نخيل عالية، وهي مستغرقة في العزف … ها أندا جالسة وحيدة شاردة الذهن أتسكع بين خلايا روحي بذاكرة مرهقة حد التعب، أتأمل عزلتي بحكمة ديك وأقاوم وجعي بصبر حصان.
كلما يشتد وخز الألم على المرء يصبح الجسد عدوا للإنسان.. وتصبح الحياة نفسها عبئا ثقيلا لا يطاق، لم يعد ذهني مليئاً بالكثير من الأسئلة أصبحت في كثير من الأحيان أستيقظ دون أن أنهض وأغفو دون أن أنام، تعتريني حالة شبه متكررة من الكسل.. تعبي أثقل من جبل وخيالي ما زال متخماً بالعديد من الأفكار والصور المتفرقة.
أيتها الجدران هل ستذكرينني بين أزقة صمتك السرمدي.. الذي تتداخل فيه الكلمات بالألوان والمشاهد الضاجة بالأصوات الداخلية.
قلت لنفسي لو يدي ساعدتني قليلاً لرسمت هذا الخواء الفسيح في لوحة بيضاء وأسميتها “أبجدية الفراغ” … عيناي المرهقتان تنظران بشغف وتمعن شديد للسقف الأبيض وللجدران الصامتة، كم من القصص والحكايات الطويلة حفظتها هذه الجدران وخبأتها في جوف ذاكرتها المعدنية.. دفق وحشود من التعابير فرح، حزن، صخب، آهات جنون، وجع، أنين، صراخ، دموع، شوق، صمت وصبر بلا حدود. كم أحسدك على سكونك أيتها الجدران الصامتة، فلا شيء يعنيك البتة من هذا الوجود الملتبس والواقع المرهق.
وقفت عند شرفتي المطلة على الأفق الفسيح استنشق بعمق رائحة الأشجار والأزهار المغسولة بزخات المطر.. ضوء الفجر الناصِع ينبلج وينساب عبر النافذة، أمسكت بالورقة والقلم وكتبت بقية نص مؤجل لبعض الأفكار التي تسللت إلى ذهني في تلك اللحظة..)
![]()