آخر الأخبار
The news is by your side.

 تأملات قرآنية .. في سورة العصر

 تأملات قرآنية .. في سورة العصر

بقلم: د. هاشم غرايبه

يقول تعالى في سورة العصر: “وَالْعَصْرِ . إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ”.

يقول “سيد قطب” رحمه الله تعالى في التعريف بهذه السورة: “في هذه السورة الصغيرة ذات الآيات الثلاث يتمثل منهج كامل للحياة البشرية كما يريدها الإسلام . وتبرز معالم التصور الإيماني بحقيقته الكبيرة الشاملة في أوضح وأدق صورة . إنها تضع الدستور الإسلامي كله في كلمات قصار . وتصف الأمة المسلمة : حقيقتها ووظيفتها . في آية واحدة هي الآية الثالثة من السورة . . وهذا هو الإعجاز الذي لا يقدر عليه إلا الله “.

لذلك، ورغم الآفاق الشاسعة التي تتيحها دلالات ومعاني هذه السورة، فسأقتصر في التأمل فيها على ثلاث محطات:

الأولى: في القسم بالعصر وهو زمان ووقت من النهار، والله تعالى في خطابه القرآني للبشر، إن أراد توكيد أمر ذكره، يقسم بأي من مخلوقاته التي يعرفها الإنسان، لأنه – جل في علاه – لا يوجد ما هو أعظم منه ليقسم به كما يقسم البشر، فكل ماهو موجود، دونه ومن خلقه.

والقسم في القرآن لا يأتي للإقناع بصدقية المعلومة، فالله تعالى هو مصدر العلم، والمطلع على كل شيء، سواء كان ظاهرا لنا أم خفيا، لذلك فهو العليم الخبير، إنما هو للتوكيد على أهمية ما سيخبر به تاليا للقسم، ولكي نعلم أن كل ما نراه عظيما أو باهرا، إنما هو من صنعه ومن تدبيره.

الثانية: الإنسان بحكم تكوينه الذي أراده الله ووظيفة الاستخلاف في الأرض التي أناطها به، جعله أحسن المخلوقات الحية تقويما، وأرقاها تطورا، ومنحه العقل حكما لكي يتوصل به أساسا الى معرفته والإيمان به إلها لكي يعبده عن قناعة، وأوجد فيه الفطرة السليمة (أي ما سمّوه الضمير)، لكي تكون مسطرة معيارية لمعرفة الخير من الشر، والخطأ من الصواب، فيفعل الإنسان في حياته الحسن، ويمتنع عن الفعل السيء.

بالمقابل أوجد فيه الرغبات والشهوات والهوى، لتلبية الاحتياجات الأساسية الفردية، ولما كانت هذه متطلبات أنانية، وتتعارض مع متطلبات الآخرين، فمن الممكن أن تعيق الالتزام بتحقيق ما تدعو اليه الفطرة من الحق والعدل، وهذا التعارض مبعثه الأطماع والتي تولد الظلم والذي يؤدي الى النزاعات والصراعات، لذلك أنزل الله الدين، لأجل صلاح البشر، ومعززا لما أودعه فيهم في الفطرة السليمة، وكابحا قويا للأطماع.

ولأن الله يعلم أن أكثر الناس لن تكفي كل معززات الخير هذه لمجابهة النزعات الأنانية لديهم، فلن يكون أكثرهم مؤمنين، بل وسيحادون الدين، ولما كان أعد الجنة لمن أطاعه واتبع منهجه، لذلك فستكون الغالبية من البشر، عندما يأتي حسابهم يوم القيامة في خسران مبين، هذا هو معنى: ” إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ”.

ويؤكد ذلك قوله تعالى في سورة التين: “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ”.

المحطة الثالثة في استحقاقات النجاة من هذا الخسران:

إنها مبينة بجلاء ووضوح، وتتلخص بأربع التزامات مجتمعة، اثنتان منها فردية، والأخريان جماعية.

أما الفردية فالأولى هي سلامة المعتقد، أي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وعدم التفريق بين الرسل، والإيمان باليوم الآخر.

والثانية عمل الصالحات وتشمل كل أعمال الخير النافعة للنفس كالعبادات، وللغير بتقديم العون لهم.

أما الجماعيتان، فالأولى: التواصي بالحق، والحق هو كل ما جاء به الدين من معتقد أو عمل، والتواصي هو فعل تشاركي، فيصبح المعنى تبادل النصح بين المؤمنين لاتباع الحق، ويشمل ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأفعال المصلحين مثل الحض على الصلاح، والتدخل لحل المنازعات، والدعوة لإقامة منهج الله في الحكم.. الخ.

والثانية التواصي بالصبر على الشدائد والصعاب، إيمانا بأن الأرزاق من الله وليست من العباد، إن هم إلا أدوات ووسائل، وكلها بيده.

وأن الخير هو من عند الله، وما يعطيه لأحد ليس محاباة ولا مكافأة، وما يصيب أحدا بكرب أو ضيق، ليس عقابا، وإنما كل ذلك لحكمة أرادها الله، وهو أعلم بها، وسوف يتلوه الفرج.

لكن المؤمن في كلتي الحالتين رابح، فإن اصابه خير وشكر، أو أصابه شر فصبر، فهو نائل في الحالتين مثوبة الله، وفوق ذلك ناجٍ من الخسران المبين يوم القيامة.

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.