آخر الأخبار
The news is by your side.

الإسراء والمعراج: رحلة المواساة والتثبيت والتكريم والتكليف

نَكًزة : خطبة الجمعة 16 يناير 2026 م 

 

بقلم: الصادق إسماعيل علي

 

الإسراء والمعراج: رحلة المواساة والتثبيت والتكريم والتكليف

 

الخطبة الأول : 

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

يقول الله تعالى:

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

ما من حدثٍ ـ صغيرًا كان أو كبيرًا، عامًا أو خاصًا ـ في حياة رسول الله ﷺ منذ لحظة نزول الوحي، حتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى، إلا وكان له شأنه في مسيرة الدعوة، وتمكينها، ونشرها.

ومن أعظم هذه الأحداث حادثة الإسراء والمعراج، التي وقعت بعد عام الحزن، وقبل الهجرة بثلاث سنوات، وقيل بسنتين، وعلى أرجح الأقوال قبل الهجرة بعام. ولم يُحدَّد زمنها على وجه الدقة، غير أن أغلب المسلمين اعتادوا إحياء ذكراها في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب من كل عام . يحيون ليلها ويصومون نهارها. 

الإسراء والمعراج آية من آيات الله الكبرى، وحادثة حق ثابتة بالقرآن والسنة، ليست حلمًا ولا خيالًا، بل معجزة إلهية.

قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾. وقول رسول الله وهو الصادق المصدوق في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( «أُتِيتُ بالبُراقِ – وهو دابَّةٌ أبيضُ طويلٌ فوقَ الحمارِ ودونَ البغلِ – يضعُ حافرَه عندَ مُنتهى طرفِه، فركبتُه حتى أتيتُ بيتَ المقدس، فربطتُه بالحلقةِ التي يربطُ بها الأنبياء، ثم دخلتُ المسجدَ فصلَّيتُ فيه ركعتين، ثم عُرِجَ بي إلى السماءِ…»

نعم حقيقة، أسرى الله بنبيه ﷺ من مكة إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء السابعة، فلقي ربَّه، وأراه من آياته الكبرى ما أراه.

فالإيمان بالغيب أصلٌ من أصول العقيدة، وتصديق الله ورسوله أصل الإيمان بهما:

﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾،

﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾.

وان رسول الله ( لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي). 

 لماذا الإسراء والمعراج، وكيف كان أثرها على مسيرة الدعوة؟ لقد كانت رحلة المواساة، والتثبيت، والتكريم، والإعداد، والتكليف الأعظم .

_ جاءت أولًا لتواسي رسول الله صلى الله عليه وسلم شخصيا ، بعد أن اشتد به العنت والعذاب ليس أولها ولا آخرها : حادثة الطائف، والحصار الاقتصادي والاجتماعي في شِعب أبي طالب، جاءت لتواسيه بعد أن فقد النبي ﷺ النصير؛ فكان عام الحزن: موت زوجه خديجة رضي الله عنها، ثم عمه أبي طالب، فانكشف ظهره لقريش، التي ظنت انه الآن في أضعف حالته لتقضي عليه بالضربة القاضية. جاءت تواسيه وتواسي أتباعه فيما لحق بهم من تعذيب حتى درجه الموت ، وإخراجهم من ديارهم ظلما وعدوانا وتهجيرهم قسرًا نازحين إلى المدينة المنورة ولاجئين إلي الحبشة بعد أن سلبت قريش أموالهم .

_ وجاءت لتثبته على الحق بعد أن تمترست قريش وقيادتها على الباطل، وإعراضهم عن الدعوة، حتى كاد الأمر يعظم على رسول الله ﷺ، قنوطا ويأسا فوثّق القرآن ذلك:

﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾،

﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ﴾،

﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ… وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾. جاءت لتثبته وتصبره على الابتلاءآت والمحن والياس والقنوط. 

_ وجاءت لتثبته بما يريه الله من آياته الكبرى، وقدرته التي لا حدود لها، في مقابل قدرة قريش المحدودة؛ فأراه السماوات السبع وما بينهما والملائكة، وأحوال الأمم السابقة، والجنة والنار، وما أعد الله فيها لأهل الإيمان، وما أعد فيها لأهل الكفر والطغيان وغير ذلك كثير من آياته الكبري، ليثبت به فؤاده وليطمئن قلبه أن قريشا وإن عظم بطشها فهي إلى زوال مقابل قوة الله المطلقة هذه. 

_ وجاءت تكريمًا لرسول الله بين الأنبياء والرسل ،وتكريم رسالته بين الرسالات السماوية كافة. إذ جمع الله له الأنبياء والمرسلين السابقين ، تأكيدا لصدق رسالتهم ورسالته. وجعله إمامهم في الصلاة ببيت المقدس، تأكيدًا لعلو مقامه، وهيمنة رسالته على الرسالات جميعًا، تأكيدا على أنها الخاتمة. ثم عرج به إلى سدرة المنتهى، فكلمه ربُّه تكريمًا إلهيًا لم ينله بشرٌ من قبل.

_ وجاءت ليميز الله بها الخبيث من الطيب، إعدادا للمرحلة الحاسمة المقبلة. فتساقط بها كل ضعيف إيمان فقد إستثمرت فيها قريش ضد الرسول والرسالة. وثبت كل مؤمن حق، ودخل بها الإسلام من هو اصدق، استعدادًا لمرحلة فاصلة من مراحل الدعوة، تتطلب صدق الإيمان، وإخلاص العمل، ونصرة لا تنقطع، وهي مرحلة الهجرة، وبناء المجتمع المسلم، وانتقال الإسلام من مكة إلى رحاب الجزيرة العربية وفضاء العالم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ.

_ من أعظم ما كان في حادثة الإسراء والمعراج أن فرض الله فيها الصلاة، ففرضها أولًا خمسين صلاة، ثم خففها إلى خمس صلوات بأجر خمسين.

وفي ذلك دلالة على عِظم شأن الصلاة، فقد فُرضت فوق سبع سماوات، وفرضها الله مباشرة لنبيه ﷺ دون واسطة مَلَك أو وحي.

الصلاة هي صلة العبد بربه، وهي معراج المؤمن إلى الله في اليوم خمس مرات؛ من قطعها فقد قطع صلته بالله، ومن قطع صلته بالله يوشك أن تتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق.

_ ومن دروس الإسراء والمعراج ربط المسجد الحرام بالمسجد الأقصى، وهو رباط عقيدة قبل أن يكون رباط جغرافيا. ورباط العقيدة يوجب الأخوة، والنصرة، والتعاون على البر والتقوى.

والتفريط في الأقصى تفريط في الدين قبل أن يكون تفريطًا في الأرض والمكان. مثلما كانت الصلاة معراج المؤمن الي الله في اليوم خمس مرات. فإن ارتباط المؤمن بالاقصي نصرة هو إسراءه كل حين. 

_ ومن دروس الإسراء والمعراج ان الحق منتصر لا محالة وان الباطل الي زوال فرغم جبروت قريش وبطشها وقهرها زالت. ورغم تخزيلها للمسلمين في الحادثة والطعن في الرسول والمؤمنين لم ينجح الأمر. ذلك هو مصير هذا الباطل الذي ينشط في ديارنا اليوم ظلما وعدوانا ومصير المخزلين والمشككين في نصر الله. اللهم ثبتنا على الحق، واربط على قلوبنا صبرا عليه، وانصر دينك وعبادك المستضعفين، واجعلنا من أهل الصلاة القائمين بها، المحافظين عليها. وصلي الله وصلي وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.