من يتحمل مسؤولية الفشل النخبة السودانية بين التعميم والمساءلة
من يتحمل مسؤولية الفشل؟ النخبة السودانية بين التعميم والمساءلة
القاهرة…. أماني محمد صالح

مدخل
الاستلاب الثقافي لـ «نُخَب» السودان ما بعد الاستعمار
الاستعمار البريطاني المصري زرع بذور التفرقة، والنخب السودانية التي استلمت الحكم في ١٩٥٦، وقعت في فخ أزمة «الهوية». ولكي تثبت هذه النخب عروبتها وإسلامها (كرافع سياسي واجتماعي)، قامت بتبنّي سردية تاريخية تبدأ فقط من دخول العرب والسلطنة الزرقاء، واعتبرت التاريخ القديم؛ تاريخًا «وثنيًا» بعد انهيار كوش؛ تجزأت البلاد إلى ممالك، فظهرت نوباتيا النوبية في الشمال، وتسمى مملكة (المريس)، وعاصمتها (فرس) المغمورة ببحيرة النوبة (بحيرة ناصر حاليًا). والثانية مملكة (المقرة)، وعاصمتها (دنقلة). والمملكة الثالثة هي نبتة، وبعد ذلك الممالك المسيحية. كل هذا اعتبرته النخب تاريخًا غير مشرّف، وهذا أقصر نظر معرفي؛ دمّر الوجدان الوطني.
الهروب من استحقاقات التنوع: التركيز على أن السودان بدأ في ١٩٥٦، أو أنه مجرد امتداد للهوية العربية الإسلامية، كان وسيلة سهلة للحكومات المركزية لفرض أحاديث ثقافية، والهروب من الاعتراف بأن السودان «سودان» بتنوعه الإفريقي الكوشي القديم. هذا التجهيل أنتج حروب الهوية في الجنوب والغرب والشرق والشمال.
كان هذا المدخل، المقتبس من كتاب الأستاذ يحيى أبنعوف: «الأزمة السياسية: المغزى والمضمون والهيكلة وأزمة القيم ومشكلات الاندماج والحلول»، هو ما افتتحت به مداخلتي في مناقشة الكتاب، متوقفة عند واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخنا السياسي: دور النخبة السودانية في صناعة الأزمة وفشل إدارة الدولة.
وقد تلاقى هذا الطرح مع ما أورده البروفيسور عطا البطحاني في حديثه عن التعثر الديمقراطي وأزمة النخب، وكذلك مع منصور خالد في كتابه «النخبة السودانية وإدمان الفشل». كما يضيء الأستاذ يحيى أبنعوف جانبًا مهمًا يتعلق ببعض النخب التي وصلت إلى السلطة، ومحاولتها تضخيم المكون العربي على حساب التعدد التاريخي والثقافي الذي شكّل السودان عبر آلاف السنين.
وفي تعليقه على مداخلتي، استنكر الأستاذ نادر السماني تعميم وصف الفشل على النخب السودانية كافة، معتبرًا ذلك تعميمًا ظالمًا. وبالطبع، أتفق معه في أن ليس كل مثقفي السودان أو قياداته أو نخبه سواء، ولم يكن ذلك، في تقديري، مقصد الأستاذ يحيى أبنعوف أو البروفيسور عطا البطحاني أو منصور خالد.
فنحن هنا لا نتحدث عن كل النخب السودانية، ولا نصدر حكمًا جماعيًا على كل من أسهم في الفكر والثقافة والمعرفة والعمل الوطني، وإنما نتحدث تحديدًا عن النخبة السياسية التي وصلت إلى السلطة، وأدارت الدولة، واحتكرت القرار، وأسهمت، بالفعل أو بالعجز، في إنتاج جانب كبير من الأزمة التي نعيشها اليوم.
وهذه ليست تهمة عابرة بل حقائق تاريخية تستوجب المساءلة. فالتنافس على السلطة، وضعف المشروع الوطني الجامع، وإدارة التنوع بعقلية الإقصاء، وتأجيل القضايا الوطنية الكبرى، كلها عوامل لا يمكن فصلها عن تجربة النخب الحاكمة منذ الاستقلال.
ولذلك أرى أن الأستاذ يحيى أبنعوف وُفِّق في اتخاذ هذه القضية مدخلًا قويًا لكتابه؛ لأن الأزمة السودانية لا يمكن فهمها من خلال أحداث الحاضر وحدها، بل بالعودة إلى جذورها الفكرية والسياسية والتاريخية، والسؤال بشجاعة: كيف وصلنا إلى هنا؟ ومن اتخذ القرارات التي صنعت هذا الطريق؟
فمراجعة تجربة النخبة ليست تعميمًا ظالمًا، وإنما هي محاولة ضرورية للتمييز بين النخبة التي حلمت بالسودان، والنخبة التي حكمته، وبين من حملوا مشروعًا وطنيًا، ومن جعلوا السلطة غاية في ذاتها.
فلا نهضة بلا نقد، ولا مستقبل بلا مساءلة، ولا يمكن للسودان أن يتجاوز أزمته ما لم يملك الشجاعة للنظر في مرآة تاريخه.
![]()