على كل … بقلم: محمد عبد القادر .. لا يكفي فقط أن تكون محمد طاهر أيلا؟!
لا يكفي فقط أن تكون محمد طاهر أيلا؟!
تأخر وصول الدكتور محمد طاهر أيلا إلى كرسي رئاسة الوزراء كثيراً، الرجل من سياسيين قلائل يملكون القدرة على إحداث الفرق، وتحويل الهزائم إلى انتصارات، نكتب ذلك رغم إدراكنا لخطورة المهمة التي تصدى لها في (الزمن بدل الضائع).
كل الظروف تراهن على أن أيلا في مواجهة مهمة صعبة جداً لكنها غير مستحيلة، إن أحسن ترتيب الأولويات وتصدى للمسؤولية بتركيز وبرمجة تسعف الوضع الراهن قبل الدخول في مرحلة العلاج الشامل.
أكبر أخطاء معتز موسى، رئيس الوزراء السابق، أنه فكر أبعد من مدى الأزمات، وأهمل العمل بفقه الطوارئ مع مشكلات ماثلة وقضايا كانت بحاجة إلى تدابير عاجلة، فاستمرت في الطلمبات والبنوك حتى مغادرته الموقع، لم يعمل على إيقاف النزيف ابتداءً قبل أن يدخل مشرطه لعلاج جذور الأزمة.
اجتهد موسى أكثر من استطاعته، لكن فتق الاقتصاد والأزمة السياسية كان يتسع على الراتق مع كل صباح جديد، كان مثالياً ومخلصاً ونظيفاً، لكن الظروف لم تكن مهيأة لأي نجاح، فطارت أسعار الدولار، وزادت قيمة السلع، وتناسلت الأزمات من الوقود إلى الخبز و(الكاش) وخرج الناس إلى الشوارع.
للدكتور محمد طاهر أيلا سبق في صناعة النجاح، هو من قيادات ملهمة، مثل الرجل أيقونة رامزة للجماهيرية والانتصار حينما كان والياً للبحر الأحمر، وفي مهمته الأخيرة بود مدني، راهن كثيرون على فشله حينما جاء إلى الجزيرة والياً، لكنه ظل يقدم كل يوم إنجازاً يؤكد أنه (ماهر) في تجاوز الإحباط، و(بارع) في تقديم المبادرات، و(ناجح) في صناعة الفرق لمصلحة الوطن والجماهير.
لكن الظروف الحالية تستوجب من الرجل اليقظة والانتباه إلى أن رئاسته لمجلس الوزراء تمثل آخر ضربة جزاء تسددها الحكومة في مباراة طويلة مع الظروف الراهنة، إحرازها سيمثل طوق النجاة ويفتح الأمل لمستقبل آمن، وإضاعتها ستكون بمثابة إحباط وهزيمة كبيرة تنذر بشر مستطير على مجمل الأوضاع الملتهبة والآيلة للانفجار.
المطلوب من محمد طاهر أيلا أن يقدم أنموذجا راشدا في المساءلة والمحاسبة والمتابعة، وأن يجعل من الجهاز التنفيذي برشاقته الحالية شعلة نشاط تغطي على إخفاقات الماضي، تنتج المبادرات وتتابع الأوضاع بالقلم والمسطرة وفق حسابات دقيقة ومتابعة لصيقة.
لابد من اختيار القوي الأمين القادر على العطاء بعيداً عن أية محاصصات أو اعتبارات حزبية أو جهوية. من أكبر الأسباب التي أقعدت بحكومتي الفريق أول (المحترم) بكري حسن صالح، و(المخلص) معتز موسى، أنهما اعتمدتا على كفاءات ضعيفة اختارها الحزب بعيداً عن إعمال المعايير المطلوبة في قيادات الجهاز التنفيذي، واعتمدتا على مبدأ المحاصصة وتوزيع الكيكة على أكبر قدر من المشاركين والمتحالفين مع المؤتمر الوطني.لا يكفي أن تكون أيلا فقط حتى تنجح، العناصر المكونة للحكومة هي التي تصنع الفرق، فإن تجاوزت مبدأ الكفاءة فعلى السودان السلام.
لابد من إكساب الحكومة الهيبة المطلوبة لضرب أوكار الفساد بمساعدة قوانين الطوارئ وتقديم نموذج جديد للحكم يتجاوز ملاحظة (أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)، يظل التهاون في ملاحقة الفساد أحد أبرز الأسباب التي فاقمت التدهور الاقتصادي، وأثرت على الصورة الذهنية للحكومة وسط المواطنين.
على الدكتور محمد طاهر أيلا أن يبدأ بتدابير إنهاء الأزمات الراهنة قبل التفكير في توسيع الإنتاج أو الإعلان عن الخطط المستقبلية، هنالك واقع يحتاج لتدابير عاجلة لا تحتمل الانتظار، فليبدأ بأزمة الكاش (أم المعارك)، ثم الوقود وأعني الجازولين، وعليه اتخاذ القرارات التي تمنع تكرار أزمات الخبز والبنزين، ثم إعادة النظر في كل ما تم اتخاذه لمحاصرة أسعار الدولار.
من الأولويات المطلوبة في مهمة أيلا التعامل مع ما يلزم من إجراءات للسيطرة على الأسعار، قرأت أنه خفض الدولار الجمركي بنحو 20 % في اجتماع له مع أصحاب العمل، ولكن هل تحصل منهم على التزام بانعكاس هذا التخفيض على أسعار السلع؟!
ما يجعلنا نتفاءل بنجاح مهمة أيلا رغم صعوبتها، أنه يأتي لرئاسة الوزارة وهو متحلل من التزامات المؤتمر الوطني حيال أية أحزاب أو مجموعات تقيده في اختيار الحكومة، وأنه سيعمل بموجب إجراءات تجعل من جهاز الدولة رشيقاً بموجب ما تم من إجراءات جففت الكثير من الوظائف والمواقع الدستورية، الأمر المهم أنه سيمارس مهامه في ظل وجود قانون طوارئ، الغرض منه تسديد قبضة الدولة في إزالة التشوهات ذات الصلة بالممارسات الاقتصادية الفاسدة.
إذا نجح أيلا في ترتيب الأولويات والعمل على إطفاء الأزمات وتخفيض الأسواق وأسعار الدولار وتوفير الخدمات، فإنه سيعين الدولة على العبور الآمن، وإن فشل فستطل سيناريوهات مخيفة تجعل من الأمن والاستقرار في كف عفريت، ندعو له بالتوفيق والسداد في مهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة
![]()