آخر الحكي … بقلم: وجدي الكردي .. نقابة المنتحرين
نقابة المنتحرين
بقلم: وجدي الكردي
صوّب الشاعر الروسي “ماياكوفسكي” مسدسه على رأسه، مُطلقاً عبارته التي صارت مُرشداً لأجيال المُنتحرين من كُلِّ جنسِ. قال: “إلى الجميع، ها أنذا أموت الآن. لا تتّهموا أحداً ولا تثرثروا. فالميت يكره الثّرثرة. إلى أمي وإخوتي ورفاقي، أطلب عفوكم. إنّها ليست طريقة للخلاص تُناسب أحداً. أحبّيني يا ليلى، بعد أن تَحَطّم زورق الحُب على صُخُور الحياة”.
بعد أن فرغ “مايا” من تلاوة وصيته الباكية، أفرغ طلقات المُسدس برأسه لتدخل من هنا وتخرج من هناك، حاملة ما تبقى من مُخِّه الذي لحسته حبيبته ليلى، وهوى إلى الأرض ميِّتاً بنصف رأس.
خَلِّي بَالك..
لأنّ من الشقاء، عدم تحمُّل الشقاء، فرّ الآلاف من الأشقياء السُّودانيين إلى خارج البلاد بحثاً عن “حياةٍ”. ولأنّ الانتحار هو “الازدهار الوحيد الذي تبقّى لكثيرين”، صَعدَ أحد اللاجئين من بني جلدتنا يوم الأحد، إلى بنايةٍ شاهقةٍ في العاصمة الأردنية عَمّان لينتحر أمام الملأ، و”يفضحنا”.
فشل الرجل في سعيه ولله الحمد. لكنّه نَجَحَ في تسويد “وش” السُّودان، وظَفَرَ بفضل تسليط الضوء على أزمة الآلاف من رفاقه الذين يلتحفون سماء الأردن ويتغطّون برحمة ربنا في انتظار أن يتم تَوطينهم في دولةٍ ثالثةٍ “تخاف ربنا”.
وارت سلطات الأردن سوأة السوداني ومنحته ملاذاً طبياً و”بطّانية” دافئة يتغطّى بها. وأصدرت مُفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بياناً حول مُحاولة انتحار “ولدنا”. قالت: “مُحاولة الانتحار كانت لتسليط الضوء على مُعاناته التي يشترك فيها أكثر من 6000 سوداني يعيشون في الأردن تحت ظروف مَعيشية غايةً في السُّوء، إلى جانب تَضَاؤُل الفُرص في توطينهم في بلد ثالث”.
يا إلهي..
الأردن من أمامكم والسُّودان من ورائكم، فأين المفر؟!
هبْ أنّك حاولت حثّ الحكومة السُّودانية حتى تلتفت إلى السُّودانيين المنكودين في الأردن، سيقول قائل: “إلى سقر! الحكومة قادرة على السُّودانيين القاعدين في السُّودان، عشان تستورد ليها بلاوي جديدة”؟!
قبل سنواتٍ، تجمهر بمدينة القضارف، العشرات من هواة أفلام “الآكشن” لمُشاهدة رجل خلع ملابس روحه عن جسده، مُقرِّراً السُّقوط من برج يرتفع تسعين متراً. قال لمشيعيه على الهواء: “لو دايرين أنزل ليكم، جيبوا لي حبيبتي هنا وعرّسوها لي”!
بالطبع، سقط العاشق من عاليه ودقّ عنقه. فهل توقّع أحدكم أن ينزلق اليائس البائس من ذاك العلو ليسقط في حضن حبيبته؟!
مسؤولٌ سميك الجلد، تبسمل وتعوّذ وتحوقل وتنحنح ثُمّ بصق وقال مُعلِّقاً على انتحار الرجل من برج تلفزيون القضارف المحلي، قال: “لقد حَانَ الوقت للتفكير في تطوير أساليب جديدةٍ لحماية المُنشآت العامّة والخاصّة للحد من الظاهرة”.
في ذمتك دا كلام؟!
قبل أن يتدلّى حبل المقال منهياً حياة المساحة المتبقية لي، خلّي بالك: “عندما تُقرّر الانتحار، تكون وقتها قد مُتُّ بالفعل. ما ينقذونه بعد ذلك لا يكون هو أنت، ولكن جُثتك”.
مسكين. زولنا داك مات زمان، احرصوا على أرواحكم!
![]()