الحكومة والشعب من يدعم الآخر؟! … بقلم: ملوال دينق
الحكومة والشعب من يدعم الآخر؟!
تداول الشارع على مدار الإسبوعين المُنصرمين، خبر إقدام مجلس وزراء حكومة الوحدة الوطنية الإنتقالية في جلسته الدورية، برئاسة رئيس الجمهورية سلفا كير ميارديت، على إجازة قرارٍ مفاجيء، يُقضي بإستقطاع راتب يوم من العاملين في الخدمة المدنية لمدة أربع أشهر دعماً لتنفيذ إتفاقية السلام المُنشّطة، التي تئن تحت وطأة الظرف الإقتصادي الضاغط بسبب إحجام المانحين عن التمويل، وربطهم الأمر بتوفر الإرادة السياسية لدي الأطراف، ليواجه – الإتفاق – خطر الإنهيار المُبكّر نتيجة تعثُر الترتيبات التي تسبق بدء الفترة الإنتقالية وتشكيل الحكومة الجديدة. بيد أن الخطر الأعظم يتمثل في تماطل الأطراف وعدم جديتهم، إلى جانب السلحفائية التي ميزت آداء لجنة المُسّتشار توت قلواك، التي أعلنت بعد طول ترقب وإنتظار حجم الميزانية المرصودة لدعم صندوق تنفيذ ترتيبات الفترة ما قبل الإنتقالية، بلغت 280.509 مليون دولار أيّ ما يُعادل أكثر من 44 بليون جنيه جنوب السودان، وستذهب مجملها لتغطية الترتيبات الأمنية وعمل لجان “مراقبة وقف إطلاق النار، لجنة مراقبة وتقييم إتفاق السلام، لجنة السلام والمُصالحة، لجنة الشؤون القانونية، ولجنة تعديل الدستور القومي” ولكن الحكومة حين أثرت التحرك لتدبير المبلغ، لم ترى أمامها سوى (جيب المواطن) المنكوب و المغلوب على حال امره و الذي ظّل منذ إندلاع الحرب اللعينة في ديسمبر 2013 يكتوي بنيران الأزمة الإقتصادية الطاحِنة التي كانت نتيجة حتمية لعبث الرفاق.
إن قرار إستقطاع الرواتب، دون دِراسة مُسبقة، أو إستشارة العاملين ونقاباتهم، ودون تقدير ومراعاة الوضع المعيشّي المتّدهور في سائر انحاء البلاد، يبين مدى الصلف الذي يتعامل به المسؤولين في الحكومة والمعارضة معا تجاه المواطنين، بإعتبار مُشاركة نفر من رجالات المُعارضة المُسلحة والسلمية على غرار نائب رئيس الحركة الشعبية في المعارضة بقيادة مشار، هنري إدوار، ورئيس تحالف المُعارضة المعروف اختصارا بـ “سوا” قبريال شانقسون شانق، ورئيس أحزاب المُظلة فيتر ميان، للمرة الأولى منذ حادثة “القصر الجمهوري” المشؤومة. ومن المُفارقة أن القرار صدر بعد أشهر قلائل فقط من منح الحكومة مُخصصاتٍ مالية ضخّمة لنواب الهيئة التشريعية القومية، الذين في فورة إنهمار العطايا عليهم، تناسوا وظائفهم كمُمثلين فعليين للشّعب، وأثروا الإنزواء وراء المصالح الشخصية، وشغل وقتهم بـ “اللوبيات” والحشد لضمان التواجد في الحكومة الإنتقالية المُرتقبة. و لا غرو، فالأموال التي قُدِمت تحت ستار (تحسين أوضاع البرلمانيين) هي في الأساس لشراء صمتهم في مثل هكذا مواقف.
لا يجب النظر لعدم إحتجاج العاملين ومناهضتهم للقرار بانه رضا منهم، فضعف الراتب نفسه جعلت الإغلبية لا تلتفت له كثيراً، ولكن هذا لا يعطي الحق لأيّ جهةٍ بالتصَرُف فيه كيفما أرادت دون أخذ موافقة العاملين. إننا نضم صوتنا لبعض العاملين الذين عبروا صراحةٍ عن إستيائهم من القرار، وطالبوا الحكومة بالتراجع عنه والبحث عن حلول أخرى. ففي العُرف الإقتصادي، كما ناقشنا في التحليل الإسبوعي الاخير للصحيفة عن أزمة اتخاذ القرار – “يعتبر البند الأول في الميزانية المُخصصة للرواتب من المُقدسات، ولا تمد الحكومات يدها إليها بإعتبارها جزءاً أساسياً من معاش الفرد وعائلته، مهما كانت الإعتبارات”، علاوة على أن الرواتب المُخصصة اصلا من الضعف بان لا تكفي معاش أسرة صغيرة تتؤلف من “أب، أم وطفل” لإسبوع واحد، بسبب إنخفاض قيمة العملة المحلية أمام الدولار الأميركي، دون ذكر أن الرواتب تتأخر لأشهر عديدة في أغلب الأحيان.
أيّ كانت المُبررات والظروف التي دفعت الحكومة لتمرير هذا القرار، ينبغي التراجع عنه، ووضع الإعتبار للوضع المعيشي المتدهور للناس، خاصةٍ أن مُعظم أولياء الأمور يكدون هذه الأيام لإلحاق أبنائهم بالمدارس في ظل الإرتفاع الخُرافي لرسوم التسجيل في الرياض والأساس والثانوي وحتى الجامعات. هنالك عدة خيارات يمكن اللجوء إليها لدعم تنفيذ الاتفاق، مثل عائدات النفط والنثريات المُخصصة لكِبار المسؤولين، وأموال الضرائب والجبايات الكثيرة التي تذهب إلى وجهات غير معلومة. يجب أن لا يكون المواطن هو كبش الفداء لـ “إحِجام المَانحين” عن دعم الإتفاقية، وضعف الوضع الإقتصادي في البلاد، وحان الوقت كيما يعكسُ الجيش الجرار من الدستوريين المُرتقبين نيتهم ورغبتهم الجادة في تغيير الأوضاع، بالتنازل عن حياة الرفاهية، والمتعة والصرف البذخي، بما في ذلك القبول بالذهاب إلى العمل بالترحيل الجماعي أو المركبات العامة، والسكن في بيوت الحكومة والأحياء الشعبية، من أجل مصلحة السلام.
![]()